التأويل والمؤول عند الأحسائي-ح3

                                            التأويل والمؤول عند الأحسائي-ح3

وفي العصر الحديث أنشأ علم التأويل والتفسير (( هرفيو طيقا )) ببركة البنيوية والتفكيكية كمدرستين امتدتا لأغلب العلوم الاجتماعية والطبيعية ومن أبطالها (ليفي ستروس وبول ريكر ) ولهذا العلم أهمية في قراءة النص بجميع أنواعه سواء كان فلسفياً أم أدبياً أو غيرهما . 
والمعتنقون لهذا العلم لا يفرقون بين التأويل والتفسير فكلاهما نتيجة واحدة فنستطيع أن نستنتج أركان مشتركة بينهم كالتالي : 

1) لا يوجد فرق بين التأويل والتفسير . 
2) النص يمتد قدر الإمكان لتفسير الوجود والإنسان.
3) إن الهرفيوطيقا هي فن القراءة . 
4) إن الحياة الإنسانية كنوع من النص يمكن قراءته . 
5) يقوم منهج هذا العلم على ركيزتين :
أ-معنى ظاهر للنص . 
ب-معنى خفي للنص . 
من الواضح أن المعتنقين لهذا العلم رغم إيمانهم بالتأويل إلا أنهم يختلفون مع الشيخ الأحسائي في الفرق بين التأول والتفسير .وثانياً : كون مرجعيتهم في فهم النص بالأساس تعتمد على التأمل فقط . أما شيخنا فيعتمد التأمل العقلي وفق مرجعية أهل البيت عليهم السلام . 
وثالثاً : امتداد النص عنده مشروط بامتداد رؤية أهل البيت عليهم السلام للنص وليس اعتباطياً . 
ورابعاً: التأويل وإن كان يحتاج للممارسة إلا أنه علماً وليس فناً للقراءة . 
وخامساً : قد سبقهم الشيخ في كون الوجود والحياة الإنسانية مؤلفة كالنص يمكن قراءته . 
أما النقطة الخامسة فقد ناقشناها آنفاً. 
الشيخ الأحسائي بنيوي أم تفكيكي ؟ 
إذا كانت البنيوية تعتمد في تأولها على ثنائية الظاهر والخفي ووحدة الدال والمدلول [1] ، فإن الأحسائي يرى هذه الثنائية ككونها ظاهر وخفي ،لا لكونها ثنائية كمدلول لغوي صرف، أي أن الظاهر واحد والباطن واحد ، بل هناك تعدد في الظاهر وتعدد في الباطن . وتعدد في الدال والمدلول ، وهذا التعدد في الدال والمدلول إذا قلنا بوحدته ، تكون على نحو إفادة الدال مطابقة لإفادة المدلول … ولكن من حيث طبيعة الدال والمدلول فهما مختلفان من حيث هذا ملفوظ أو منطوق وذاك واقع حقيقي بجميع أنواعه ، سواءٌ أكان الواقع جملة أم شجرة أم بحراً فكلهم في ظرف الواقع .

يقول الشيخ الأحسائي رضوان الله عليه ((أقول: اعلم أن التأويل في القرآن لا يجوز إلا ما أخذ عن أهله المخاطبين به محمد وآله الطاهرين صلى الله عليه وعليهم أجمعين ، لأن القرآن على ما تعرفه الناس فإن له ظاهرا وظاهر ظاهر وهكذا باطناً وباطن باطن كذلك …[2] )) . 
ويقول الشيخ الأحسائي في شأن الفكرة الأخرى وهي مطابقة الدال للواقع المدلول : (( الدليل الكشفي العياني الذي يخبر به المستدل بعد معاينة ما أراد من معاني ألفاظه لا مجرد الألفاظ [3] )). 
ويقول أيضاً (( إن معرفة الله تعالى، ومعرفة الأشياء كما هي في أصل البدء ، لا يُنال شيء من ذلك بالقوانين المنطقية ؛ لأن المنطق مبني على مدارك عقولهم الاكتسابية ، وعلى ما يفهمون من دلالة الألفاظ ؛ وضعها الله سبحانه وتعالى بعلمه كما أطلع عليه أهل العصمة (عليهم السلام) وقد أخبروا أنها على سبعين وجهاً ، واللغة التي يتعاطونها الناس وبنى عليهم علم المنطق ، وجهٌ واحد من سبعين ، فكيف يكون عقل أسسوا مداركه على وجه واحد من سبعين يَعرِف شيئاً أصله مبني على سبعين وجهاً [4] )). 
إذا لم يكن الأحسائي بنيوياً ، أو بنيوياً بعض الشيء ولكن ليس تماماً. 
فهل الأحسائي في مقولاته الفلسفية وافق فلاسفة التأويل التفكيكيين ؟ 
لنرى ذلك : 
إذا كانت البنيوية توحد ما بين الدال والمدلول ، فالتفكيكية تفصل ما بينهما قدر الإمكان، فإذا كانت الثنائية في البنيوية محدودة إلى درجة الوحدة والاتحاد فالتفكيكية ثنائيتها لا محدودة قدر الإمكان … إذن التفكيكية هي التدمير لبنية اللغة إلى أصغر جزء ممكن فيها . من هنا قالوا عنها الفوضى أو أنها تحقق الفوضى والتدمير ، كالتي أحدثتها قنبلتا (( هروشيما ونجازاكي )) بل الحرب العالمية الثانية كانت سبباً في نشوء التفكيكية فبادئ ذي بدء لايرى الأحسائي هذا التفكيك اللامتناهي لبنية النص دون ضوابط أو حدود . فالتأول لوجوهٍ لا متناهية في حدود الإمكان إذا كان وفق قانون ومرجعية حسب الإطار الأيديولوجي للمفكك أو المؤول ، فثنائية الحضور والغياب اللامتناهي لا يراها شيخنا إلا وفق مرجعية أهل البيت عليهم السلام وليس وفق عبثية العقل البشري غير المنضبط . 
يقول (هيدجر) في شأن اللغة الذي يعبر عنها بالشعر : 
(( هو فعل أصيل للإنشاء ، نشاط التسمية الأولى ، وما ينشأ أو يسمى هنا ، ليس ما هو معروف بالفعل أو ما هو موجود بالفعل … إن الشعر هو التسمية الأولى للوجود وجوهر كل الأشياء (5) )) من خلال هذا النص نفهم إن «هيدجر» يقف عند أبعد نقطة في الفصل بين الدال والمدلول، واللغة عنده ليست مستقلة وذاتية فقط بمعنى أنها سابقة على الأشياء في الواقع الخارجي، لكنها سابقة الكينونة أيضاً، ثم هي، أي اللغة وسيلة للكينونة للتعبير عن وجودها وحضورها. 
وإذا ناقشنا كل مفردة في هذا النص على ضوء رؤية الأحسائي للغة والمفاهيم كلاً على حدة كالتالي : 
أ) أما في فصله بين الدال والمدلول فقد ناقشناها آنفاً بالتفصيل . 
ب) أما عن استقلالية اللغة وذاتيتها ، فإن كان قصده أن اللغة سواء أكانت رمزاً ذهنياً أو صوتاً ملفوظاً مستقلة تمام الاستقلال عن الوجود الخارجي وعن الكينونة … بحيث أن في استطاعتها النماء بمعزل عن العالم الخارجي فهذا باطل بالبديهة ونماء فلسفي في الخيال . أما اللغة لكونها أصواتاً ملفوظة فهي جزء من العالم الخارجي . 
وأما كون اللغة رموزاً ذهنية ، فهي تستطيع النماء ولكن ليس بمعزل عن الواقع الخارجي، لكون اللغة تصوراً بشرياً والتصور البشري برأي الأحسائي مرهون بالعالم الخارجي حتماً وليس اختياراً . وذلك للأمور التالية : 
1- كون الذهن البشري ورغم قدرته على التركيب اللامتناهي للصور والرموز في الذهن ، إلا أنه لا يستطيع تصور أو تركيب إلا ما رآه في العالم الخارجي . 
2- الذهن البشري لا يستطيع تصور شيء من غير جنسه . 
يقول الشيخ الأحسائي : (( أقول : يقول في جوابه إنا قد قررنا بالدليل المتقدم إن الوجود فرد خارجي متحقق والذي ينقل إلى الذهن مفهومه العام الانتسابي العارض للمفاهيم الارتباطية للمحمولات وهو انتزاعي بخلاف المدعى فيه فإنه متحقق ٌ في الخارج إذا طلبت حقيقة بالعلم كان إشراقياً حضورياً يعني أن العلم به عين حصوله للعالِم ووجوده له بعين وجوده لذاته ،فالعلم به نفس تحققه في نفسه فهو شهودي عيني(6) )) .ويقول أيضاً(قد): (( وأما على قولنا هذا فلا يتوجه السؤال أصلاً إذا تصوّره يوجب ثبوته وتحققه عندنا خارجاً لأن ما في الذهن لا يكون إلا منتزعاً من الخارجي وقد قدمنا بيان هذا وبرهانه القطعي الوجداني على جهة الإشارة من أنك لا تقدر أن تتصور شيئاً رأيته قبل يوم التصور إلَّا في مكان رؤيته ووقتها بأن تلتفِت بمرآة خيالك إلى مكان الرؤية ووقتها فترى شبح الشيء المتصور بهيئته وصفته التي رأيته عليها في كل زمان ومكان لا تذكره بأن تتصوره إلا أن ترى شبحه هنا في تلك الهيئة فتنتقش صورته في خيالك ولا تقدر على تصوره بدون ذلك وهذا هو الدليل على أن جميع ذلك المتصور في الذهن كله انتزاعي فمن ادّعى أنه أصلي فنطلب منه أن يتصور شيئاً رآه في الزمان السابق من غير أن يلتفت إلى مكان رؤيته ووقته فإن قدر فله أن يدعي بأنه غير منتزع وإن لم يقدر فليعلم أنه منتزع [7] )). 
ت) كون اللغة سابقة على الأشياء ، وهنا أيضاً لا يؤمن بكون اللغة سابقة على الأشياء ولا متأخرة عنها ، بل مساوقة لها .. لأن اللغة التي هي الرموز الذهنية لايمكن أن توجد إلا بازاء تلك الأشياء مسمياتها أو حتى في التركيب الأسلوبي الذهني أو الملفوظ، فلا يمكن أن نتصور كون اللغة علة الأشياء الخارجية وسابقةٌ عليها . لأنها جزءٌ من الوجود الخارجي في أصلها والشيء لا يكون موجوداً ومعدوماً في آن للزومه الدور والتسلسل الأرسطي . يقول الشيخ الأحسائي : (( ولو أريد من السؤال القياس الاقتراني لم يلزم تخصيص التصور بالساذج ليتعدد الوسط بل يؤخذ الأعم منه ومن التصديق فلا يدخل الشك في الوسط وإنما الشك في الأكبر من اللازم ، أي أنا نتصور الوجود بذلك المعنى ونشك في كونه موجوداً فلو كان موجوداً لزم أن يكون له وجود زائد عليه وهكذا وهكذا ويتسلسل لكن قول المصنف أن للوجود فرداً خارجياً هو حقيقته وهو موجود بنفسه لا بوجود زائد عليه مع أن حقيقته لا يدرك كنهها ليتصور ويكون مكتنهاً بذهن غير تام في الجواب إذ لا يستلزم التصديق تصور الموضوع بالكنه بل يكفي أدنى تميز يعينه ليكون الحكم على موضوع معين والباقي دعاوى يلزم منها المصادرة وقيل لعل المصنف حمله على الاستثنائي فيفرض حاصل السؤال أن الوجود لو كان موجوداً في نفسه لما شك في وجوده حين تصوره لكن بعد تصوره نشك في وجوده فعلى فرض وجوديته يجب أن يكون وجوده زائداً عليه فيتسلسل فأورد الجواب بإبطال التالي في قوله حقيقة الوجود لا تحصل بكنهها في ذهن من الأذهان الخ يعني إنه لا يمكن أن نتصور ليرتب الشك في وجوده على التصور [8] )) . 
ث- بقي كون اللغة سابقة على كينونة الوجود ،وهذا باطل غير صحيح ، فاللغة لا تشكل حقيقة الوجود وتوجدها ، بل الكينونة مع الوجود واللغة متساوقةٌ ، فالشيء لا ينوجد ويكون شيئاً إلا وحقيقته المميزة له عن غيره من الأشياء معه فالإنسان لا يكون إنساناً إلا بحقيقته وباسم من اللغة في قباله على الأقل عند من أوجده وكونه . يقول الشيخ الأحسائي (قده) : 
((وأنت خبير بأن الفائض الأول إنما أطلق عليه الوجود الذي هو صورة المصدر لأنه الصادر من جهة أن ذلك الحصول في مقابلة عـدمه فأطلق على المـوجود مبالغة في مناسبة التسمية به لأن الموجود إنما هو شيء بالإيجاد والإيجاد معنى فعلي والموجود معنى مفعولي والمصدر يصدق عليه لأن المفعول ثمرة الفعل وأثره فكل صادرٍ أولاً وبالذات يكون أحق باسم الوجود الذي هو في الأصل حدوث حصل من الإيجاد وإذا قطعنا عن الأقوال والاصطلاحات ظهرت لنا الأشياء بما ألبسها الله سبحانه من الاسم وإذا نظرنا إليها بنظر ما قيل فيها وما اصطلحوا عليه ومن العبارات لمطالبهم واختصاراً في التعبير ظهرت الأشياء لنا بما ألبسوها من حلل مـراداتهم ولم نر عليها الحلل التي ألبسها جاعلها ( جل وعلا ) فلأجل هذا غطت العبارات أغلب الحقائق عن أبصار الناظرين فبهذا النظر لم نعرف إلا ما قالوا وهم بعضهم من بعضٍ [9] )) .

(1) مرجع سبق ذكره ، الموسوعة الفلسفية العربية ص199ج1. 
(2) مصدر سبق ذكره، رسائل الشيخ أحمد بن زين الدين ص207 ج1.
(3) الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ، شرح الفوائد ، ط حجرية ، ص4 .
(4) مصدر سبق ذكره ، شرح المشاعر ،ص55 .
(5) حمودة، عبد العزيز ، المرايا المحدبة ، ط1، 1998 سلسلة عالم المعرفة ، عدد (232) الكويت ، ص302 .
(6) مرجع سبق ذكره ، المشاعر ، ص247 .
(7) المصدر السابق ص246.
(8) المصدر السابق ، ص248 .
(9) المصدر السابق ،ص338 .


كتب أخرى:

حكمة إسلامية لافلسفة يونانية

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 14

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

عقيدتنا 2 العقيدة وأصول الدين

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 8

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 9

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية