نظرية التوحيد في حكمة الشيخ الأوحد

                                           نظرية التوحيد في حكمة الشيخ الأوحد
علم اللاهوت كما يسميه علماء الغرب ، وعلم التوحيد كما اصطلح عليهالمتكلمون المسلمون ، يحوي نظرية التوحيد الإسلامية نحو الخالق - سبحانه -. 

هذه النظرية بمكان لايستغني عنها أي متكلم أو فيلسوف أو مفسر للقرآن والسنة . لكونها الإطار الذي تدور فيه ابحاثه العقائدية . 

علم التوحيد وظيفتهصياغة أيدلوجيا توحيديّة سلمية . وما تناحر المتكلمون والفلاسفة إلا من اعتقادهمكون أيدلوجيا التوحيد عند غيرهم مخدوشة ، وبتعبير آخر مخالفة للقرآن والسنة ، وإذاأخذنا مثالاً ، فلن نجد أروع من فتنة خلق القرآن حيث بلغت القمة في التضاربالأيديولوجي الإسلامي . 

ومن هنا جهد نفرٌ من فلاسفة المشرق والمغرب للهروبمن هذه المحنة بالتوفيق بين الفلسفة والشريعة بطريقة إيجاد المقاربات بين النصوالنظرية كما فعل ابن رشد . وحاول آخر للقضاء على هذه المصادمات – التي ليست حلبتهاكتب الفلسفة والحكمة فقط ، بل حتى الواقع الاجتماعي - كمحنة حرق كتب ابن رشد ومحنةخلق القرآن عن طريق تذويب الفلسفات الآنفة عليه على هيئة العصير ( الكوكتيل ) وليسعلى هيئة عصير الطبقات [١] . 

واعتبروا تلامذته هذا الإنجاز إبداعاً ليس لهمثيل ، لا من بعده ولا من قبله. 

وفي الواقع هو إنجاز عظيم بالنسبة لمن سبقهولكن ليس كلهم ، فهناك من أصحاب الأئمة مَن فاقه في صياغة أيديولوجيا في التوحيدمتعالية على حكمتة المتعالية . كأمثال جابر بن يزيد الجعفي وهشام اللذين كانا منأصحاب سر الإمام الصادق (ع) .ومن عجيب المفارقات أن يتهم كجابر بن يزيد الجعفيبالغلو في حق أهل البيت - عليهم السلام -. 

ونحن هنا إذ نتكلم عن نظريةالتوحيد لانتكلم عن شيء نمر عليه مرور الكرام ، إنما نتكلم عن أساس الدين ، فبدونالتوحيد تكون جميع الفروع الأخرى لاغية . 
والتوحيد في أبرز تعاريفه هوالتفريد والتنزيه [٢] -أي تنزيه المولى –جل علاه – عن كل ماهو مخلوق .فما بهالاشتراك مخلوق ، وما به الامتياز مخلوق ، وكل ماهو مركب عقلي ، كالمركب من الجنسوالفصل ، وكل ماهو مركب خارجي كالجسم من أعضائه . 

فالموحد الحقيقي منلايتصور الله ، فكل من تصوره حتماً توحيده مخدوش ، بناءً على أن الخلق غير المخلوق . 
والموحد موحدٌ في جميع شؤوناته –أي بعقله وذهنه ولفظه وحتى حركاته إن كاننوع الحركات يشير إلى الشرك . 
إذ الجريرة الكبرى التي لا تغتفر هي الوقوعفي الشرك عن عمد،وما خلق الله الخلق إلا لتوحيده ، 
فبالشرك يحدث الانحرافالأكبر عن الغاية العليا من خلق الخلق . 

ومن هنا جاء الإسلام وهو آخرالأديان ليوصل رسالات الأنبياء القمة في مسألة التوحيد . وقد بدأت على يد رسولالأمة محمد صلى الله عليه وآله . وأكملها أهل البيت عليهم السلام . ولكن لما امتزجالمجتمع العربي بالمجتمعات المفتوحة عسكرياً . امتزجت اللغة العربية باللغات الأخرى، ففسد اللسان العربي ، فقام جملة من علماء العربية بوضع القوانين والمعاجم لصيانةاللغة العربية من الاضمحلال ومع هذا الامتزاج لم تفسد اللغة النقية فقط ، بل حتىالعقيدة الإسلامية النقية حيث تُرجمت آلاف الكتب الفلسفية من شتى الفلسفات دون قيدأو شرط وعلى أيدٍ كثيرة غير أمينة وجاهلة بالعقيدة أحياناً أخرى [٣] . 

والفلاسفة المسلمون استقبلوا هذه الكتب وكأنها الغيث ونسوا أن عندهم أعظمكتاب ليستلهموا منه أيديولوجياتهم في التوحيد . ولكن الخطر ليس هنا فحسب بل يتجلىفي محاكمتهم الكتاب والسنة من خلال ضوابط تلك الفلسفات ، وهذا ما ولدَّ هرماً منالنظريات المشوبة بالشرك ، كنظريةوحدة الوجود وغيرها. 

وكان من لطف الله أنبعث مَن يحفظ اللغة العربية من الاضمحلال والكساد ، كان أيضاً من لطفه أن بعث منيحفظ العقيدة الإسلامية وينقيها من شوائب الشرك . 

وهنا إذ أكتب هذه المقالةلا أقول : أن الشيخ الأحسائي وحده مَن اجتهد بتنقية العقيدة ، ففي هذا ظلم للعلماءالآخرين ولكن أقول : أن الشيخ صاغ نظرية في التوحيد من القرآن والسنة بحيث تمثلحكمةً من انضج الفلسفات في التوحيد على الإطلاق . 
فالحق والحق يقال إنني ماقرأت – ولا أدعى العلم المطلق – فلسفة متماسكة في التوحيد كفلسفة الشيخ أحمد بن زينالدين الأحسائي . 

إذاً لب حركة الشيخ العلمية هو تطبيق تعريف التوحيدوإظهار مقامات أهل البيت عليهم السلام التي يعتقد أن وقت كشف أسرارها هو زمانه [٤] بعد أن ظلت مستورة قروناً متطاولة . 

توحيد الذات : 

الله موجودٌ ، قضية حملية بسيطة، تستمد أدلتها من جميع أجزاءالوجود الموجود ، تعقبها قضية حملية أخرى ، تقول : هذا الموجود واحد لا أثنينية فيه، صمديٌ لا تجويف في ذاته .فهو لم يلد ولم يُولد ، جميع الموجودات قائمة بأمرهحاضرةٌ في ملكه حضور تقوّم بفعله ومدده ، لا اتصال بينه وبين خلقه فيستقلوا عنسلطانه ، ولا اتصال حسي أو معنوي أو بأي نحوٍ من الأنحاء حتى لايكون جسماً أومحدوداً ثم يدخل في إطار الإمكان ، لكنه واجب الوجود ، وجب وجوده في حكمته ضرورةعلى جميع الأصعدة [٥] .

خصائص واجب الوجود [٦] : 

أولاً: ( الجوهر منفيٌ عنه سبحانه ) ، بجميع أنواعه ،سواء أكانجوهراً خطاً أوسطحاً . لأن الجوهر محتاج إلى العرض في ظهوره والنوع الآخر له عرضوعمق وطول وهذه صفات الإمكان متنزه عنها الأزل . 

ثانياً: ( إنه سبحانه ليسعرضاً ) ، أكان هذا العرض لوناً أو خشباً أو جداراً أو طعماً أو سمنة أو ضعفاً أوطولاً أو قصراً أو رائحة ، أو سائلاً أو صلباً أو غازياً أو صحة أو مرضاً لكون هذهالأعراض محتاجة إلى الجوهر في تقومها أولاً ولكونها صفات مخلوقته ثانياً. 

ثالثاً : ( إنه ليس جسماً ) لأن الجسم لابدّ له من أمور
( الأول )الزمان ،فكل جسم له تأريخ ولادة وصنع وكذلك تأريخ نهاية وفناء ، ألا ترى أنهم يأرخون زمن الصلاحية، ويضعون العمر الافتراضي ، وهذا لايناسب واجب الوجود لكونه أزلياً أبدياً . 
 ( الثاني ) المكان ، فلا جسم بدون مكان ، ومن استطاع ذلك فليتصور أو يوجدذلك على أرض الواقع الملموس. 
 ( الثالث ) اللون ، لكون اللون مظهرُ الملون ،فلا يمكن رؤية مَن لا لون له . 
 (الرابع ) التركيب ، فالجسم مركب من أجزائهوهو محتاج إليها ، ولا يوجد بسيط سوى واجب الوجود ، وإن قيل العقل البسيط ، قلنابسيط بالنسبة لما تحته مركب لما فوقه ، وهو خاضع لقانون النسبية . 

رابعاً : ( إنه لايطرأ عليه التغير ) فالتغيير إما من ذاته فيكون هناك أكثر من إله قديم وهذامنافٍ لحقيقة التوحيد .ومن جهة أخرى الشيء لايؤثر في نفسه على نحوٍ يوجدها من العدممثلاً أو يرسلها من الوجود إلى العدم . 
وإما أن يكون هذا التغير بسبب خارجيعن ذات الواجب ، فيكون المؤثر حقيقة هو الواجب والمتأثر هو الممكن أو يتساووا فيالرتبة الإمكانية لا الأزلية لكون المتغير حادثاً قطعاً . 

خامساً : ( أنهليس في جهة ) فالواقع في جهة خلت منه الجهة الأخرى ، ومَن كان في جهة كان محدوداًبها ، والمحدود مخلوق وليس قديماً. 

سادساً : ( إنه ليس في شيء ) فيكون مظروفاً بذلك الشيء ، محدوداً به ، حاملاً له ، فيكون أقوى منه ، وهذا منافٍ للجبارية صفة الواجب. 
سابعاً : (إنه لا من شيء ) لقوله تعالى (( لم يلد ولميولد )) ولكون الولادة تغيراً وقد نفينا التغير قبلاً . 
ثامناً : ( إنه لاينسب إليه شيء ) مطلقاً أية نسبة كانت ، لكون النسبة اتصال واقتران بين المنتسبين . 
فهذا الاقتران إما في الحدوث ، فيلزم انقلاب الواجب ممكناً أو العكس . 
وإما في القدم فيلزم تعدد القدماء وهذا باطل بأدلة التوحيد . 

توحيد الصفات : 

مرادنا منها الصفات الذاتية ، وهي الصفات الكمالية التي لايمكنسلبها أو وصفها بالضد . وهي عين الذات بلا مغايرة لافي المفهوم ولا في الواقع ولافي الاعتبار وهي عين الذات لا زائدة عليها ولا مركبة منها ولا هي مجموعها . 
والذات من حيث هي بسيطة من جميع الوجوه فليس فيها جهة وجهة ، واعتبارواعتبار . 
ومعنى توحيد الصفات ألا يشارك الله أحد في صفاته لا في ( العلم ) ولا في ( القدرة ) ولا في ( القدم ) ولا في ( السمع والبصر ) ولافي ( الحياة ) وهكذا [٧]. 

والصفات الذاتية في الحقيقة ليس لها عدد محدد ، فكل كمال يجب إنتنسبه إلى الذات المقدسة ولكن بشكل يناسب الذات- أي لا يمكن سلبها أو وصفها بالضد- وكل نقص يجب نفيه وسلبه عن الذات الشريفة. 

ومن هناك نستطيع القول : إن اللهكامل الكمال المطلق ، فأراد كما في الحديث القدسي تعريف نفسه لخلقه ، فخلق الخلقلمعرفته ، ولكن لما كانت الممكنات لاتدرك فوق مبدئها . ولايمكنها تصور الواجب بحالكما قال (ع) :(( كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود عليكم )) [٨] فالمخلوق ذهنه ( كتلفون العملة ) لايقبل من العملات إلا ماصنع لأجل استقباله، كذلك عقل الإنسان لايمكنه إدراك إلا الممكن مثله لعلاقة السنخية بينهما . 

كان لزاماً في حكمة واجب الوجود أن يعرّف خلقه صفاته الكمالية أو كمالهالمطلق ، فخاطبهم بما يفهمون ويدركون من الكمالات . 
فلما كان العلم كمالاًعند الخلق عرف نفسه بأنه عالم ، ولما كانت القدرة كمالاً قال أنا قادرٌ وهكذا ….[٩] 

لايعرف الله من طريق ذاته وذلك للأمور التالية [١٠] : 

 (أولاً) اشتراط أن يكون بين المدرِك والمدرَك وجود السنخية ، فبدونها تكون قناة الإدراكمعدومة. 
 (ثانياً) لو أدرك الممكن واجب الوجود لأنقلب الممكن واجباً ،الواجب ممكناً . 
 (ثالثاً) لأن الشيء لايدرك فوق مبدئه . 

نعم يعرفالله مـن خلال آياته وآثاره ، فتجلى لها بها وبها أقتنع عنها . 

وهذه الآثار وهذه الآيات قد تكون عظيمة كأهل البيت عليهم السلام ، فهم أعظم آيات الله سبحانه ،وقد تكون آيات أخرى كالنملة وحبات الرمل وقطرات الماء . 

وهذه الآيات موجودة في عوالم الإمكان والتكوين . 

توحيد الأفعال[١١]: 

إن الفاعل الحقيقي للخلق والرزق والإحـياء والإماتـة ، هو اللهسبــحانه تعالى . وهذا عمق توحيد الأفعال ، فلو قلـنا أنبـت الربـيع الزرع ، فذلكعـلى نحو المجاز العقلي والفاعل الحقيقي ، الله - سبحانه -. 

ولكن عالمالوجود قائم على علل ومعلولات تقع في سلسلة طويلة أولها ما يسمى علة العلل وهيمشيئة الله المخلوقة الحادثة والتي عن طريقها خلق الله الخلق ، كما قال الصادق (ع) (( خلق الله الأشياء بالمشيئة وخلق المشيئة بنفسها )) [١٢]وأما آخرها فلا ينتهي لأننعمة الله لا تحصى . 

وهذه العلل والوسائل قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة أومتوسطة في الوجود. فالملائكة وسيلة تخلق بإذن الله وبعض الأنبياء يخلق بإذن الله ،فنلاحظ إنه السبب سبب مهما كان ليس محصوراً على أحد ، مادام مسخراً لله سبحانه،فالفاعل الحقيقي كما قلنا هو الله سبحانه . 

والسر في ذلك إن الله - جل وعلا – منزه عن مباشرة الممكنات على أي نحو من أنحاء الاتصال . فالأزل لا ينزل إلىالإمكان بحال ، وإلا انقلبت الحقائق والرتب : فمن هنا كان لابدّ من مباشر حسي أومعنوي في صنع الممكن بإذن الله سبحانه . 
أما الله سبحانه كيف يمد الخلقوالملائكة ، فبلا كيف وإلاّ لأدرك واجب الوجود . وهذه النقطة ما يعبر عنه المتكلمون (بمقام الجمود) أي مقام لا كلام .لأن الله هو غيب الغيوب ومجهول النعت وعين الكافور . 

قضية التعلق [١٣] : 

فعل الله سبحان واحد في جميع الحالات ، لأنه مشيئته ولكن لما تعلقتمشيئته التكوينية بالخلق سمي خالق ، ولما تعلقت مشيئته التكوينية بالإماتة سمي مميت . بالضبط كما الزجاج الملون الذي سقطت عليه أشعة الشمس البيضاء ، فصارت خضراء منالزجاج الأخضر ، وصارت حمراء من الزجاج الأحمر ، وصارت صفراء من الزجاج الأصفر . 

التوحيد في الحقيقة وتوحيد المجاز [١٤]: 

توحيد الله - جل وعلا – أي أن تصفه بما هو عليه في الواقع ، ومَنرأى واجب الوجود حتى يصفه بما هو هو،أو بما هو في الواقع غيره سبحانه وتعالى ، لذلكقال : (( شهد الله أنه لا إله إلا هو )) [١٥] فهو وحده الذي يستطيع وصف نفسه لذلكقال الرضا عليه السلام لسلمان المروزي (( فليس لك أن تسميه بما لم يسمي به نفسه …)) [١٦] فوصول المخلوق إلى رتبة الذات محال فالطريق مسدود والطلب مردود . 

أما الموحد الحقيقي من الخلق فهو رسول الله وأهل البيت عليهم السلام الخلق تابعون لهم في ذلك ، لذلك قال الهادي (ع) في الزيارة الجامعة : (( ومَن وحّده قبل عنكم )) [١٧]وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي : (( ياعلي ماعرف الله إلاّ أنا وأنت )) [١٨] ولو أردنا ضرب مثالاً على هذه القضية ، فمثالالمرآة أبلغ مثال ، فلو وضعنا مرآة أمام شمعة مباشرة فانطبعت صورة الشمعة في المرآة، ثم وضعنا مرآة أخرى أمام المرآة الأولى ولكن منخفضة قليلاً عنها ، فانطبع فيها ماكان منطبعاً في الأولى ثم وضعنا ثالثة منخفضة قليلاً أمام الثانية فانطبع فيها ماكان في الثانية ثم رابعة بنفس الشكل وهكذا . فالمرآة الأولى هي مَن عكست صورةالشمعة حقيقة والباقيات كن بالمجاز والتبع حسب الرتبة والقرب منها . 
فتوحيد محمد وآل محمد توحيد المرآة الأولى فلهم التوحيد الحقيقي والخلق بعدهم توحيدهمتوحيد المجاز دون الحقيقة وهذا معنى كلامهم عليهم السلام : ((فسبحنا فسبحت الملائكة)) [١٩] . 

توحيد المراتب ومراتب التوحيد : 

مراتب الوجود الكوني والمعنوي لا تحصى ، والإنسان يمكنه تخطي وطيكل المراتب . وله في كل مرتبة رؤية خاصة في التوحيد ، وحالة خاصة كموحد ، فكلما علارتبة سمي توحيده وكلما نزل ضعف توحيده – أي بالنسبة إلى الرتبة الأعلى ، فهو فيالرتبة الأعلى تنخفض عنده حجم الآيات والدلائل التي تشير إلى المحبوب حتى يصل آخرالرتب فلا يحتاج إلى إشارة أو دليل بل يوحد الله ببصيرته دون حاجة إلى الدلائل والآيات . ويمكن حصر كل تلك الرتب في أربع محطات للتوحيد : 

 (المحطةالأولى): توحيد العبادة وهو غير ماتكلمنا عنه آنفاً ، ويسمى بتوحيد عالم الأجسام ،وسمي بذلك لظهور اسم المعبود في المقام وهو من ناحية أخرى فيه جميع مراتب التوحيدالأخرى ولكن ظهور العبادة في هذا العالم أشد تكثيفاً من غيرها فلذلك سمي توحيدالعبادة . 
وهذا التوحيد مستوى قوته وضعفه منوط بالعبادة نفسها فإن كانتقوية كان التوحيد أقوى وإن كانت ضعيفة كان التوحيد أضعف . 

 (المحطة الثانية) : توحيد الذات وهو أيضاً يختلف عن ما ذكرناه آنفاً بحسب اعتبار الموضوع الحَكَمي ،فالأول كان موضوعه متعلق التوحيد ، أي التوحيد في رتبة الذات أو العبادة أو الصفاتأو الأفعال ، أما هنا ، فالموضوع مراتب الخلق في التوحيد . 
و توحيد الذاتموضوعنا هنا هو ظهور الله سبحانه في عالم النفوس ، أي توحيد الله سبحانه في رتبةعالم النفوس ، سمي بتوحيد الذات لأن الخلق يوحدونه هنا بذواتهم أي بنفوسهم يعنى لاحظوا توحيد الله دون معلم .وإلا جميع مراتب التوحيد هنا موجودة محفوظة دون فقدانومن ميزان هذا العالم أنه لاتقليد فيه لأحد على العكس من عالم الأجسام . 

 (المحطة الثالثة) : التوحيد الشهودي ، ورتبته في عالم العقول ، أي ظهورالله في عالم العقول ، يعني توحيده في عالم العقول . 
وهذا العالم يسمىتوحيده التوحيد الحضوري .لأنه متجرد من كل الشوائب والكثرة والتعدد فليس فيه سوىالوحدة .لأن الكثرة ناشئة من النفس الأمارة بالسوءِ . 

 (المحطة الرابعة) : توحيد عالم الفؤاد ، أي ظهور الله في عالم الفؤاد ، يعني توحيد الله في عالم الفؤاد، ويسمى بالتوحيد الحقيقي وذلك لأنه أول رتبة في التوحيد وأعلاها ، وأنقاها ، بل هيالمحل الحقيقي للتوحيد …لأنه لايرى في هذه الرتبة سوى جمال المحبوب دون أي إشارة أورتبة أو دليل أو تكثر . 

التوحيد في السلسلتين [٢٠]: 
أما في الطولي : فهو مرتب حسب المراتب ، لايمكن لداني أن يصعد إلىمرتبة العالي في أي حال كان أي أنه لا يمكن لمؤمني الإنس تمني مرتبة الأنبياء ولاالأنبياء رتبة أهل البيت عليهم السلام . 
أما في العرضية : فهو متفاوت حسبإيمان وعقيدة الفرد المؤمن ، وهذه السلسلة مراتبها لا تحصى ولكن مجملة في عشر رتب للإيمان . 

ميزان نظرية الشيخ في التوحيد : 
1. الكتاب . 
2.السنة . 
3.العقل . 
4. الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم (ع) .

وقد فصلنا ذلك في دراستنا عن مدرسة الشيخ أحمد الفلسفية ، فراجع . 

نموذج تطبيقي لنظرية الشيخ في التوحيد : 
جاء في شرح المشاعر طبعة كرمان ص١٣٢: 
 (( قال : وإلى هذا يرجعما قيل أن الحمل يقتضي الاتحاد في الخارج والمغايرة في الذهن فلو لم يكن الوجودشيئاً غير الماهية لم تكن جهة الاتحاد مغايرة لجهة المغايرة واللازم باطل كما مروالملزوم مثله بيان الملازمة أن صحة الحمل مبناه على وحدة ومغايرة ما إذ لو كانهناك وحدة محضة لم يكن حمل ولو كان ((كانت خ ل )) كثرة محضة لم يكن حمل فلو كانالوجود أمراً انتزاعياً تكون وحدته وتعدده تابعين لوحدة ما أضيف إليه وتعدده منالمعاني والماهيات وإذا كان كذلك لم يتحقق حمل متعارف بين الأشياء سوى الحملالذاتـي وكان الحمل منحصراً في الحمل الذاتي الذي مبناه الاتحاد بحسب المعنـى . 

أقول : هذا الكلام معناه ماتقدم قبله ومتفرع عليه وتكرير له وقوله فلو لميكن الوجود شيئاً غير الماهية لم تكن جهة الاتحاد مغايرة لجهة المغايرة وقد قلنا لوقال قائل أنه لو لم يكن الوجود موجوداً وإنما ماهيات الأشياء وجدت بنفسها وهي حقيقةواحدة قد وضع الاسم لها وماهيات الأشياء مجهولة الأسامي شرحها أن يقال ماهية زيدوماهية الفرس إلى آخر ما احتج به في الوجود حصل الاتحاد بين الماهية التـي هي موضوعوالتـي هي محمول والمغايرة بينهما في الذهن بما هو شرح أساميها بما تضاف إليه كماقيل في الوجود فلا يلزم شيء عما ذكر على تقدير عدم الوجود فتدبر )) 

مقامات أهل البيت والأنبياء معتمدة على التوحيد السليم : 

الله سبحانه منزه عن جميع صفات الإمكان ومباشرته وهذا مما لاشك فيهفي علم الكلام الشيعي ، فإذا كان كذلك فحتماً لن ينزل الله سبحانه إلى هذه الدنياليبلغ دينه لخلقه بل سيبعث أنبياء ورسل وأوصياء لهم .. لأنه كما قلنا منزه عنمباشرة الخلق . 

وهذا ليس فقط في عالم الدنيا فقط ، بل في كل العوالم المعنوية والحسية والفرق أن الأنبياء رسالتهم حدودها عالم الدنيا وليس كله أيضاً . والنبي محمد صلى الله عليه وآله رسالته لكل الوجود بجميع مراتبه في كل زمان ومكانلذلك له مقامات بعدد مراتب الوجود هو أوصياؤه من علي إلى المنتظر عليهم السلام جمعياً . كما قال : (( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ))[٢١] . 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ا[١]-الكوكتيل :مزيج من الفواكه بحيث لا تميز فاكهة على أخرى . 
ا-الطبقات : عصير فواكه ولكنلكل فاكهة طبقة لوحدها بحيث تنزل القشة إلى الطبقة التي تريد. 
ا[٢] أبو خمسين ، الشيخ محمد حسين ، مفاتيح الأنوار ، ط١ ، ١٩٥٦م ، مطبعة الغري ، النجف الأشرف ،ص٥ . 
ا[٣] راجع مجلة الفيصل ، ملف العدد عن الترجمة ، عدد ( ٢٣٩ ) ١٩٩٦م . 
ا[٤] الاسكوئي ، آية الله ميرزا موسى ، إحقاق الحق ، ،ط٢ ، ١٩٦٥م ، مطبعة النعمان ، النجف الأشرف ، ص٣٦٥ . 
ا[٥] مرجع سبق ذكره ، مفاتيح الأنوار ،ص١٥ . 
ا[٦] آلعيثان،الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله،هدية العباد إلى طريق الرشاد،ط١،١٩٥٠م ،المطبعةالحيدرية ،النجف الأشرف ،ص٢٢-٢٣ 
ا[٧] مرجع سبق ذكره ،مفاتيح الأنوار ، ص١٧ . 
ا[٨] الداماد ، السيد محمدالحسيني ، القبسات ، ١٣٧٤هـ ، مؤسسة انتشارات ، طهران ، ص٣٤٢. 
ا[٩] الرشتي ، السيد كاظم ، أصول العقائد ، ط١ ، ( د،ت،ن ) ،مكتبة الميرزا الحائري العامة ، كربلاء ، ص٨٩. 
ا[١٠] الإحقاقي ، آية الله الميرزا حسن ، أصول الشيعة ،ط٣ ،( د،ت،ن )، مكتبة الإمامالصادق العامة ، الكويت ، ص٣٠ 
ا[١١] مرجع سبق ذكره ،هداية العباد إلى طريق الرشاد ، ص١٢-١٣ . 
ا[١٢] انظر: الصدوق ، أبي جعفر محمد بن علي ، التوحيد ،ط١ ، (د،ت،ن) ،دار المعرفة ،بيروت ، ص١٤٨ . 
ا[١٣] الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ،مجموعةالرسائل ، ط٢ ، (د، ت،ن) ، مطبعة السعادة ، كرمان ، ص٢٦٢ . 
ا[١٤]مرجع سبق ذكره ، مفاتيح الأنوار ، ص ٢٧ –٢٨ . 
ا[١٥] سورة ال عمران ، الآية :١٨ . 
ا[١٦] الصدوق ، أبي جعفر محمد بن علي ، التوحيد ،ط١ ، (د،ت،ن) ،دار المعرفة ،بيروت ، ص٤٥١. 
ا[١٧] الصدوق ، أبي جعفرمحمد بن علي ، عيون أخبار الرضا ،ط١ ، ١٤٠٤هـ ،الأعلمي ،بيروت ،ص٣٠٨ . 
ا[١٨] الغروي ،السيد علي ،تأويل الآيات الظاهرة ،ط١ ،١٤٠٩هـ،النشر الأسلامي ،قم ،ص١٤٥ . 
ا[١٩] الأحسائي، محمد بنعلي المعروف بابن أبي جمهور ،عوالي اللئالى ،ط١، ١٤٠٥هـ، مطبعة سيد الشهداء، قم،ج٤،ص١٢٢. 
ا[٢٠] مرجع سبق ذكره ، مفاتيح الأنوار ،ص٢٧ . 
ا[٢١] الأحسائي، محمد بن علي المعروف بابن أبي جمهور،عوالي اللئالى ،ط١، ١٤٠٥هـ، مطبعة سيد الشهداء، قم،ج٤، ص١٢١.

الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي


كتب أخرى:

أضواء على حقيقة علة الإيجاد

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

حكمة إسلامية لافلسفة يونانية

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية