حكمة إسلامية لافلسفة يونانية

                                                    حكمة إسلامية لافلسفة يونانية

لعلَّ من الأمور الكبرى التي يقع الخلط فيها ، هو مسألة الحكمة والفلسفة ، وذلك لأن استخدام اللفظتين في كتب الكتاب تأتي على نحو مترادف .. ولعل الإشكالية المهمة تأتي فيمن يخلط بين علم الحكمة الوارد في القرآن الكريم وبين (الفلسفة ) التي ليست علماً باعتراف أصحابها من المتفلسفة .. لأن العلم ينحصر في

الفيلسوف اليوناني أفلاطون
اليقين واليقين الرياضي حصراً ، ونحن إذ نقوم ببحث هذا الموضوع للثمرة الأكيدة المترتبة في الفصل بين هاتين اللفظتين وبالتالي بين علم الحكمة والفلسفة . 
- ما هي الفلسفة ؟ 
هناك تعاريف كثيرة للفلسفة قديماً وحديثاً ونحن نأخذ نماذجاً من هذه التعاريف : 
1. . سقراط : الفلسفة هي البحث العقلي عن حقائق الأشياء المؤدي إلى الخير ، وهي تبحث عن الكائنات الطبيعية وجمال نظامها ومبادئها وعلتها الأولى(1) . 
2. أفلاطون : الفلسفة هي البحث عن حقائق الموجودات ونظامها الجميل لمعرفة المبدع الأول ، ولها شرف الرئاسة على جميع العلوم (2) . 
3. أرسطو : الفلسفة هي العلم العام وفيه تعرّف موضوعات العلوم كلها فهي معرفة الكائنات وأسبابها ومبادئها الجوهرية وعلتها الأولى (3) . 
4. ديوجانس : الفلسفة هي علم السعادة في الحياة والعمل لتحقيقها (4) . 
5. الفارابي : الفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة (5) . 
6. صدر الدين الشيرازي : الفلسفة هي استكمال النفس الإنسانية بمعرفة حقائق الموجودات (6) . 
7. لوك : الفلسفة دراسة العقل البشري (7) . 
8. فخته : الفلسفة فن المعرفة (8) . 
9. هيجل : الفلسفة معرفة الحقائق الثابتة (9) . 
ونلاحظ على جميع تلك التعريفات الآنفة تباعاً : 
1. أن العمل العقلي يمكن أن يعرف بعض الأمور الوجودية عن طريق ربطه للأشياء ، ولكنه قاصر عن إدراك كثير من الأمور ، فإذا عرف بالاستدلال أن هناك في المريخ بشر عن طريق آثارهم فهو قطعاً لن يعرف كيف أشكال أولئك البشر وما هي ألوانهم ، إلا إذا أخبره أحد بذلك . إذاً العمل العقلي لا يخدم الفلسفة لمعرفة الأمور إلا إجمالاً هذا في الأمور الظاهرة للعين . 
2. أما الأمور الغائبة عن العين والحواس وليس لها آثار تدرك فالعقل عاجز أمامها . فالفلسفة ستجهل هذه الأمور . 
3. الفلسفة لا تنتج سعادةً إلا إذا كان هناك علم قطعي تصل به النفس الإنسانية إلى السعادة والفلسفة ليست بعلم قطعي بل ليست بعلم ، فكيف يصل الإنسان بالأوهام إلى السعادة إذن ماهي إلا بقيعة سراب . 
4. لا يمكن معرفة الموجودات بما هي هي إلا عن طريق صانعها ، لا عن طريق العمليات العقلية المحضة ولا العرفان الموهوم [1]. فلا يعرف السيارة والتلفاز إلا صانع السيارة والتلفاز ، أومن علمتهم بسر صنعتها ، فكيف إذن يمكن استكمال النفس بمعرفة لا تصل إلى حد اليقين ..لأنه وببساطة صاحب هذه الآراء لم يشهد خلق المخلوقات . سنوضح هذه الفكرة لاحقاً . 
5. الفلسفة ليست فن المعارف الثابتة لأن كل فلسفة تزيح الأخرى وتناقضها ، فهذه تؤمن بالله والأخرى تكفر به . وهذه توحده بشكل والأخرى توحده بشكل آخر ، مع ملاحظة أن كل فلسفة تُزاح لا تذهب إلى العدم . 
- نماذج من التعاريف المعاصرة : 
1. يعرف هوسرل (1859-1938) مؤسس مذهب الظاهريات ، الفلسفة بأنها : ( من حيث جوهرها ، علم بالمبادئ الحقيقة وبالأصول وبجذور الكل ، وعلم ما هو جذري يجب أن يكون جذرياً من كل ناحية ومن كل الاعتبارات ) (10) . فهذا التعريف يحصر الفلسفة في الأشياء الحسية ويبعدها كل البعد عن (الميتافيزيقيا ) ومعرفة الغيبيات من أهم وظائف الفلسفة القديمة كما جاء في التعاريف السابقة . 
2. الكانطية الجديدة : ( أنها العلم الذي يبحث في القيم المتعلقة بالحق والخير والجميل والمقدس ) (11) وهذا التعريف يترك الأمور الجزئية إلى كل علم مخصص فيها ، فلا شأن له بالجزئيات . 
3. مورتس شلك (1882-1936) مؤسس دائرة فينّا للفلسفة التحليلية والمنطق الوضعي فيقول ( إن الفلسفة ليست علماً بل هي نشاط أوفعالية في كل علم ) (12) وهذا التعريف غني عن التعريف والتعليق . 
إن الفرق بين الفلسفة القديمة والفلسفة المعاصرة إن الفلسفة القديمة طرحت نفسها كعلم يقيني ومع تقدم العلوم وتطورها ظهر جليّاً أن الفلسفة كثير من أمورها غير صحيحة وتطرح فروضاً لا يكن البرهنة عليها ، فلذلك الفلسفة المعاصرة حددت وظيفتها بالأمور التالية : 
• إن الفكرة القائلة إن المعرفة الفلسفية الكلية معرفة علمية باطلة . 
• يجب تنقية العلوم وتوضيحها وتلك مهمة يجب أن يتولى العلماء أنفسهم الجانب الأكبر منها ، ولكن الفيلسوف لا بد أن يشارك في العمل الفعلي لهؤلاء العلماء . 
• الفلسفة المحضة يجب أن تمارس في الظروف الجديدة التي خلقتها العلوم الحديثة ، وهذا لصالح العلوم نفسها لأن الفلسفة حية دائماً في العلوم ولا يمكن أن تنفصل حتى أن إيضاح الفلسفة والعلم لا يمكن أن يتحقق إلا بالتعاون فيما بينهما . 
وأخيراً ( الفلسفة ترفض الاعتقاد الخرافي في العلم كما ترفض ازدراء العلم وهي تعترف بالعلم اعترافاً لا تحفّظ فيه ولا شروط وترى فيه أروع إنجاز للإنسان على مدى التاريخ ، إنجازاً هو مصدر لكثير من المخاطر ، لكنه ذو فوائد أعظم ) (13) . 
- ما هي الحكمة في نظر القرآن الكريم ؟ 
ورد في كتب التفاسير كالأمثل والكاشف عدة معاني للحكمة مثل : 
معرفة أسرار عالم الوجود ، والإحاطة والعلم بحقائق القرآن والوصول إلى الحق من جهة القول والعمل ، ومعرفة الله ، والكلمة الواعظة ، وطاعة الله . 
إلا إن كل هذه المعان يمكن جمعها في عبارة واحدة هي : المعرفة والعلم ، والأخلاق الطاهرة والتقوى ونور الهداية . 
نفهم من هذا الكلام ، أن الحكمة هي معرفة الوجود وما يحويه من مخلوقات والنظام الدقيق الذي تسير عليه ، وما هي بما هي هي وما هي بجواهر وعوارضها ، وما هي في ثباتها وتحركها في اجتماعها وافتراقها ، وكذلك معرفة خالق هذه المخلوقات ونظامها الجميل الأنيق ..لأن الأساس من خلق المخلوقات هي معرفة الله التي لا تتم إلا عن طريق آيات الله سواء المكتوبة (القرآن ) أوالتكوينية (كالإنسان )[2]، فبهذا تفهم معنى السعادة الإنسانية التي يمكن أن يصلها الإنسان بالحكمة ، وهي معرفة سر وجوده وعلة خلقه . 
ولكن قد يقول القارئ إذن ما الفرق بين تعاريف الفلسفة التي ذكرت والحكمة في القرآن الكريم فإننا نلاحظ تشابها ً قد يكون متطابقاً تماماً مع التعاريف الآنفة ، فنقول هناك فروق واضحة ودقيقة بين الفلسفة والحكمة إليك هي : 
(الأول) :
إن الحكمة علم يجب الاعتقاد بنتائجها على نحو الجزم اليقيني مئة في المائة ، ولذلك هي التي تشكل الجانب العقيدي لدى صاحبها وهو مسؤول عنها أمام الله والناس ولها نتائج كدخول الجنة والنار ، والتكفير أو الاحترام والتبجيل من قبل الناس بجميع مراتبهم . على العكس من الفلسفة ، فالقديمة منها أغلبه غير صحيح سوى بعض اليقينيات كالإيمان بالله والرسل . وأما الحديثة فليست بعلم باعتراف أصحابها ، بل هي مزيج من الآراء لتطوير الحياة والعلوم . 
(الثاني) : 
إن منابع الحكمة الإلهية هي : القرآن والسنة والعقل والإجماع الكاشف عن رأي المعصوم ، والعقل إن وافقت نتائجه الكتاب والسنة والإجماع وإلا فهو عرض الحائط ، والسر في ذلك إن الوجود يما فيه مخلوق لله ولا يعلم هذا الوجود إلا خالقه فهو الوحيد الذي يخبر عن سر صنعه وأهل البيت أدرى يما فيه وإذا أردت أن تعرف ذلك اسأل أي فيلسوف عن الجنة وما هيتها وكيف هي ، من دون الاعتماد على كلام الله سبحانه فإنه لن يستطيع إخبارك بشيء إلا رجماً بالغيب ، لأنه لم يرها ولم يخلقها فمن الذي يخبرنا عن الجنة و عن النار وعن آلاف المسائل الغيبية غير الله ومن أشهدهم خلق الخلق محمد وآله . وأما الأمور التي يمكن للإنسان رؤيتها ولمسها فمن الطبيعي أن يعرف عنها بعض الأمور على حسب جهده وعلمه .

فإن معرفة الواقعيات بما هي هي بالاعتماد على الذهن البشري لوحده باطل وما هي إلا تخيلات كما تصوروا العدم فضاءً مظلماً قديماً لا شيئاً ، وكما تخيل بعضهم شريك الباري في خياله الجامح بناءً على نظريته باستقلال الوجود الذهني. 
- أما الفلسفة القديمة فتقول العقائد (الأيديولوجيا ) أمور عقلية لا دخل للنقل فيها . وبعضهم حاول التوفيق بين العقل والنقل ليتخلص من إشكالية هجوم الفقهاء والعامة عليه . 
- أما منابع الفلسفة الحديثة ، فهي : 
1. تاريخ الفلسفة . 
2. الاندهاش . 
3. الشك . 
4. الضمير . 
5. الوعي بالوجود . 
6. المواقف القصوى . 
وكل هذه المنابع نتائجها غير يقينية ولا تضع في حسابها الكتاب والسنة كمصدر للفلسفة ، ومع ذلك نقول ما وافق الكتاب والسنة منها فالحكمة الإلهية لا ترفضه ولكن لا تعتبر هذه المنابع منابع للحكمة الإلهية إلا في حال موافقتها حقائق القرآن والسنة . 
(الثالث) :
إن الحكمة الإلهية كالبناء يبنى لبنة لبنة بعضها فوق بعض ، فالإيمان بالله حقيقة علمية يقينية [3] يبني فوقها حقائق علمية حكمية يقينية كالإيمان بأن الله واحد والحقيقة العلمية التي تقول : أن هناك رسل مبعوثون من قبل الله ولهم مقامات مذكورة وهي على نحو اليقين وأن هناك جنة ونار وصراط مستقيم وموازين وحساب وخلود في الجنة أو النار فهذه وغيرها من المعلومات الحكمية في نظر القرآن حقائق يقينية متراكمة لا تقبل الشك ولا مجال لتطورها إلى الضد في المستقبل ، نعم يمكن تقديم شرحٍ وافٍ لها أو زيادة معلومات وحقائق عليها مع تطور الحكيم نفسه . 
(الرابع) :
أما الفلسفة القديمة والحديثة إذا تجاوزنا بعض الفروق بينها ، فإنها تمتد امتداداً أفقياً لا علوياً . أي غير تراكمي ، فالفلسفة الجديدة الوليدة لا تنفي القديمة وتزيحها إلى حيز العدم بل تعيشان في وقت واحد دون تعارض وتتفاعلان فيما بينهما . أي أن كل مذهب جديد في الفلسفة لا يبدأ من حيث انتهى السابق وليس مكملا له . بل ينتقد ما سبقه ويتخذ لنفسه نقطة بداية جديده . وعلى هذا يصح أن نسمي الفلسفة الحديثة فن التفكير وليست علماً . 
رأي الشيخ الأحسائي في الفلسفة : 
الشيخ الأحسائي يرفض الفلسفة بالشكل المذكور لأنها متناقضة متهافتة لا تستقر على رأي ومبدأ ، ولأنها لا تعتمد القرآن والسنة مصدراً لها ، ما بالك إذا علمت أن الشيخ الأحسائي جعلهما المصححين للعقل والكشف ( راجع مقالتنا في مدرسة الشيخ الأحسائي الفلسفية ) وفي صدد تناقضاتها يقول : (( وذلك لشدة تحقيقاتهم وكثرة إيراداتهم للأشكالات واثباتهم للاعتراضات حتى لا تكاد تجد شخصين متوافقين وذلك لاختلاف أفهامهم وأنظارهم وتغاير مذاقاتهم واعتباراتهم والسبب في ذلك انهم يقولون الاعتقادات أمور عقلية لا يجوز التقليد فيها ))[4]وعلى العكس من الحكمة فأصحابها متفقون على رأي واحد لأن مصدرهم للحق واحد يقول الشيخ : (( بخلاف الذين يعتقدون بعقولهم بما يفهمونه من شيء واحد بأن يكون كل واحد منهم طالباً للمراد من ذلك الشيء الواحد فأنهم لا يختلفون لاجتماعهم عليه مثاله إذا نظر جماعة إلى شخص حاضر عندهم فأنهم لا يختلفون في وصفه اختلافاً كثيراً لأن أفها مهم في إدراك صفاته تابعة لأبصارهم فيفهمون ممّا رأوا وهؤلاء مثال العلماء الذين يعتقدون بعقولهم بما علمهم الله تعالى واخبرهم نبيه صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام فأنهم لا يكادون يختلفون لأن كلام الله وكلام نبيه وأهل بيته يجمعهم ))[5] 

الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي
________________________________________
[1] الذي يقول بوحدة الوجود . 
[2] (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم …) 
[3] (أفي الله شك فاطر السماوات والأرض …) 
[4] بن زين الدين ، الشيخ أحمد ، شرح الفوائد ، الطبعة الحجرية ، ص2 . 
[5] مرجع سبق ذكره ، ص2 .


كتب أخرى:

علاج فكري 14

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية