تاريخ الفكر الحكمي لمدرسة الشيخ الأوحد 4

                                         تاريخ الفكر الحكمي لمدرسة الشيخ الأوحد 4

( مرحلة العودة و الازدهار ): تميزت هذه المرحلة من تأريخ مدرسة الشيخ الأحسائي بعودة الازدهار من جديد بعد مرحلة النكسة المفاجئة التي منيت بها، على أيدي خصومها في حياة مؤسسها الأحسائي. وحمل راية هذا الازدهار أعلام مميزين في العلم والتقوى والشهرة في المجتمع الشيعي الحوزوي، وعلى رأسهم السيد كاظم تلميذ الأحسائي الأول بلا منازع، حيث يتصف بالموسوعية في هذه المدرسة بعلومها المختلفة، وخصوصاً الحكمية منها. والآخر المميز في هذا الجانب هو الشيخ علي نقي ابن الأحسائي نفسه، والميرزا حسن كوهر، والممقاني حجة الأسلام... .

 ( 2 ) ( السيد كاظم الحسيني الرشتي )
ولد السيد كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي سنة ( 1212هـ) في مجتمع مخالف لمجتمع أستاذه الشيخ أحمد بن زين الدين، فمجتمع إيران بشكل عام يتميز بظهور العلماء فيه فلم يكن غريباً ظهور مثل السيد الرشتي (قد) وبروزه فيه، ولكن الغرابة كل الغرابة كيف ألتقى واحد من مجتمع علمي مع واحد يراه الإيرانيون من مجتمع متخلف علمياً حتى لحظة كتابة هذا النص، وهو السر الذي سيحدثنا عنه السيد الرشتي نفسه، يقول السيد الرشتي وكان الكلام موجهاً لتلامذته في محضر درسه : لما كنت في ليونة الشباب و بكورة الحياة قبل أن أعانق ما يسمونه التكليف و التشرف بتحمل خطابات الرب الحكيم . كنت ألتهم الكتب و المراجع العلمية ، بل أسعدني المولى الجليل بالسيطرة التامة عليها فأشرحها دون أستاذ ، كما يحتاج الطلاب الآخرون .بل من تمكني منها استطعت كتابة حواشي عليها شرحاً و نقداً .
صارت لي شعبيتي بين الطلاب في "رشت" صاروا يقصدوني للحوار العلمي في تلك الكتب من أجل التلاقح العلمي . و لكنيّ لم أشبع بهذه الكتب ، كان هناك جوع دائم للمعرفة، وهذه معرفة سطحية، وأنا نهم علم ٍ لا يرتوي. هاجس بداخلي شديد الاشتعال يهمس في أذني : ترقى يا كاظم في العلم ، ترقى ..... ترقى .... ! .

في يوم حظي و سعدي شاء الله سبحانه و تعالى أن أقرر الترقي في العلم، مهما كان الثمن باهظاً، مهما كان الطريق صعباً. و لكن فيما أتخصص، في الفقه و الأصول، أم في الحكمة ؟ 
فقلت في نفسي : 
لا بدّ لك من اختيار أحدهم. 
فقلت : 
إن شرف العلم يعرف من حامله فنظرت إلى فلاسفة الدنيا فرأيتهم يعربدون لهواً ولعباً وميلاً إلى الظلمة والفسوق . . 
فقلت في نفسي : 
لا خير فيهم فتركتهم ،ونظرت إلى فقهاء السلطان و الدنيا فوجدتهم يحبون في طلب الرئاسة الدنيوية وإظهار التشخص و الأنا والتعين . 
تركت الجميع وغمرني حزن و كأنه ملأ الدنيا و الوجود كآبة في عيني ، توجهت إلى ربي خاشعاً متضرعاً، وقد بلغ مجهودي نهايته. 
ما الطريق ؟ 
ما الحق والحقيقة ؟ 
اهدني ربي فإن لم تهدني سوف أغرق مع من غرقوا في طوفان الضياع . 
تركت بحوثي وتغيرت أحوالي والقوم في شأن وأنا في شأن آخر ، الناس يظنون إنّي لاهٍ في دروسي وأنا سابح في بحور من الهموم .
ولكنّي عاقل أفهم روح المجتمع ومذاقه في التفكير السطحي لذلك لم أظهر همومي لأحد أبداً وإلاّ لسفهوني ، ولم أزل على هذه الحالة من التموج وعدم الاستقرار أربعين يوماً حتى زارني المرض وعسكر في جسدي المنهك من التفكير و الطموح . رق عليّ أهلي، فأتوا لي بطبيب . 
وهل الطبيب يستطيع علاج رجل يعشق المعالي مثلي ؟ آه من هذا الطبيب آذني بشرب دوائه المنغرس في شوائب الطبيعة . وأنا أريد السفر نحو المحبوب . 
أليس من الغرابة في مكان ، أن الطبيب يعالج من جهة ومرضي يزداد كل يوم من جهة أخرى ، لجهل الطبيب ما يعتلج من بركان الحب للمحبوب الحقيقي داخلي . 
فقلت في نفسي :
أخرجُ من البلد ، أخرجُ من هذه الغربة، وأترك أمري إلى الله. 
فقلت لأهلي : 
إن هناك مكاناً يقصده المنهكون مثلي فيه عين حارة . إذا استحم الشخص فيها يشفى بإذن الله فأذنوا لي فسافرت إليه وكان الطقس شتاءا ًوعندما وصلت إلى البلد المعينة بدأت بختم دعاء نصير الدين الطوسي، وختمه قسمان . 
ولما انتهيت سمعت وأنا في الطيف هاتفاً يقول لي : 
ما تريده عند الشيخ أحمد . 
انتبهت من نومي وقلت : 
من هو الشيخ أحمد، ومن أين اعرفه ؟ 
في الطيف مرة أخرى والهاتف يقول لي : 
مقصودك عند الشيخ أحمد وهو موجود في مدينة "يزد" .
انتبهت من نومي وقلت في نفسي : 
إن الشيخ أحمد في يزد ، لكن من هو القائل في الطيف ؟ ومن يكون ؟ 
هل هذا النداء من الرحمن أم من الشيطان ؟
في الطيف مرة ثالثة و لكن هذه المرة ، أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام قد حضروا . فقال الأمير (ع) : 
مطلوبك عند الشيخ أحمد الأحسائي في "يزد" وهو عالمنا في الأصول والفروع وهو عالمنا في الظاهر والباطن .
فقلت و أنا في الطيف : 
يا مولاي صفْ شكله حتى أكون على بصيرة ، فوصفه لي من رأسه إلى قدمه ، فقلت له : 
كيف يمكن المسافرة إليه ، فقال : 
يتيسر لك . 
فقلت : 
من كان يناديني مرتين . 
قال : 
أنا . 
انتبهت من نومي ورجعت إلى بلدي وقلت لأهلي : 
إنني سوف أذهب إلى "يزد" لطلب العلم فأنكروا علي أشد الإنكار ، ثم قالوا : 
إن كنت تريد العلم فاذهب إلى كربلاء المشرفة أو أصفهان ، ولكن لما أظهرت لهم ما في ضميري ورأياي في الطيف وإصراري على السفر بنوا على الاستخارة لله فخرجت الآية التالية [ قل إنما أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين وأمرت أن أكون أول المسلمين ] الزمر / 11 ، 12 .

بعد هذه الحادثة سافر السيد إلى "يزد" للتتلمذ على يد الشيخ الأحسائي[1] . 
وتتلمذ السيد كاظم على يد الشيخ الأحسائي بعدما أنهى دروس السطح، فكان خير تلميذ لخير أستاذ .

من هنا كل علوم الرشتي الفلسفية والحكميّة ـ من حيث الخطوط العريضة ـ أخذها من الشيخ الأحسائي، مع عدم نكراننا لإبداع السيد الرشتي الذي سنتحدث عنه مفصلاً لاحقاً. 
ومن ناحية تاريخية لتوثيق الأحداث التي جرت للأحسائي، كان الرشتي أجدر من يوثق الوقائع التاريخية للأحسائي .. لشدة ملازمته له ولتتلمذه على يديه.

مقام السيد كاظم العلمي والاجتماعي :

يقول ( الألوسي ) : 
{لو كان السيد يعيش في عصر يحتمل فيه ظهور نبي أو رسول مرسل ، لكنت أول من آمن به .. لأن جميع الشروط اللازمة : 
1) من العلم الغزير . 
2) والعمل بالأخلاق .
3) وأصول العقائد . 
4) والسجايا المعنوية . 
متوفرة فيه[2]}

بلغ السيد كاظم من المقام مالم يبلغه أحد من قبل من جيله ، لذلك لن نخرجه عن واقع المؤامرة التي حيكت لأستاذه بأتقان محكم. فسيناريو المؤامرة طبق عليه بعد أستاذه الأحسائي، كما يروي لنا هو في دليل المتحيرين.

و مشكلة السيد الرشتي مع المجتمع الحوزوي طرحه لفكر أهل البيت بشكل مفصل و عميق فوق مستوى معاصريه الفلسفي الذين ليس لهم أنس بالحكمة و مقامات أهل البيت (ع)، فما كان يعتبر سراً عند أهل البيت في كثير من الأزمنة طرحه وكأنه حق للجميع عليهم الأخذ منه والإيمان به، وهذه نقطة جوهرية بين الرشتي والأحسائي، أي أن الأستاذ كتم والتلميذ أباح وبالتفصيل المسهب، مما حدا ببعض المترجمين له بأن يتهموه بالخروج على منهج الشيخ الأحسائي وعقائده.. لأنهم لم يفهموا كلام السيد و نصوصه الحكمية .

من هنا نقول: أن الشيخ تفرغ للرد على الناس وإجابتهم ، أما السيد الرشتي تفرغ لأن يفصل أكثر فأكثر في مدرسة الشيخ الأوحد لأنها مدرسة وليدة على الساحة العلمية، وهي محتاجة لفهمها أكثر من ناحية، و من ناحية أخرى لاستكمال المهمة الإصلاحية التي قام بها الشيخ الأحسائي في الفلسفة العربية و الإسلامية وفق المنهج والأسس ذاتها، وإن اختلفوا في الاجتهاد.

والآن يأتي السؤال ؟

أ - هل السيد الرشتي أعظم من الشيخ الأحسائي .. لأنه فصل بهذا الشكل العميق والمذهل في العلم و الحكمة ؟ 
مما لا شك فيه، لا فالشيخ الأحسائي أعظم من تلميذه السيد الرشتي علمياً للأسباب التالية :
1) لكونه المؤسس للمدرسة .
2) اعتراف السيد الرشتي في "دليل المتحيرين" بعظمة أستاذه العلمية .
3) كتب السيد عيال على كتب الشيخ الأوحد، وإن كانت مفصلة.

ب ـ هل السيد كاظم يخالف أستاذه في المنهج و العقائد، أم لا ؟ 
السيد الرشتي لم يخالف فكر أستاذه المدرسي للأمور التالية :
1) عندما نقرأ كتب السيد الرشتي نجد أنها تتبنى كتب الشيخ الأوحد وتدافع عن فكره. 
2) نستطيع أن نستدل على كل رأي في كتب السيد الرشتي من نفس منطلقات أستاذه الأحسائي .وهذا دليل على أن مدرسة السيد كاظم الرشتي نفس مدرسة أستاذه الأحسائي. 
3) إن الشيخ الأحسائي لم يعطِ إجازة لأحد في الحكمة مخالف لفكره، ولكنّه أعطى إجازة للسيد ومجده وقال " ولدي كاظم يفهم وغيره لا يفهم " أي يفهم في كتبه و مدرسته . 
4) إن تلاميذ الشيخ الذين عاصروه وعاصروا السيد لم يقولوا أن السيد الرشتي مخالف للشيخ الأحسائي في منهجه أو عقائده، بل على العكس رجعوا له كمرجع أشبه بالوحيد في الفهم العميق والمطلق لمدرسة أستاذه. ولكنيّ اعتقد أن هذه الشبهة جاءت من خصومهما.. لفك المدرسة عن أعلامها المميزين كالسيد الرشتي.

الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقلنا هذه القصة وحولناها بتصرف إلي نص أدبي ، عن الإجازة بين الاجتهاد و السيرة ، الحائري ، آية الله الميرزا موسى ، ط1 ، ( د، ت ، ن ) ، ص 58 .
(2) كوربان ، هنري ، مدرسة الشيخ أحمد الأحسائي ، ط1 ، 1998 م ، مؤسسة أم القرى ، ( د ، م ، ن ) ، ص 79 . ترجمة : خليل زامل .


كتب أخرى:

علاج فكري 13

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية