تاريخ الفكر الحكمي لمدرسة الشيخ الأوحد 3

                                   تاريخ الفكر الحكمي لمدرسة الشيخ الأوحد 3

لم يكن الشيخ أحمد بإجماع [1] المؤرخين ، قاصداً تكوين مدرسة فلسفية ، إلاّ أن الذين درسوه وجدوا كل مقومات الفكر المدرسي متوفراً لديه، وأنا أقول : إ ن الشيخ أحمد وإن لم يكن قاصداً تكوين مدرسة فلسفية بالصيغة الراهنة ، إلاّ أنه كان يعي تمام الوعي بأنه يقوم بحركة إصلاح فكرية على الصعيد الفلسفي الإسلامي والشيعي على وجه الخصوص . ونجد ذلك جلياً في رسائله وكتبه . فمن هنا نجد أنه شئنا أم أبينا ، أن مدرسة الشيخ أحمد قد اكتملت في المنهج والمضمون والأهداف وقد شارك في بنائها عشرات التلامذة مع أستاذهم المؤسس .

أما دور المؤسس الشيخ أحمد في هذه المدرسة الفكرية العظيمة ، كالتالي:
(أولاً) :لقد أبرز في شرح الفوائد منهجاً متكاملاً من القرآن والسنة الشريفة بحيث غدا طريقاً سليماً لكل تلامذته في حياته وبعد مماته وأخذ هذا المنهج من الروح القرآنية كل كيانه ومفرداته ، فنجد أنه قسم منهجه الحكمي إلى قسمين ، قسم للاستنباط الفلسفي من القرآن والسنة ، وقسم ما توصل إليه من حقائق.
القسم الأول من منهجه يعتمد على ركيزتين أساسيتين :
أ‌) الاستنباط الفلسفي من القرآن والسنة والعقل في إطار القرآن والسنة للقرآن والإجماع . 
ب‌) من ذلك ما وافق القرآن أخذه وما خالف تركه ولكن ليس على نحو الطريقة الإخبارية ، بل بإعمال العقل ضمن ( النص ) ، أي جعل تابعية العقل للقرآن والسنة [2] .

القسم الثاني من منهجه قسمه إلى [3] :
أ) دليل الحكمة .
ب) دليل المجادلة بالتي هي أحسن .
ج) دليل الموعظة الحسنة .

وكل واحد من هذه الأدلة له وظيفة محددة حين استخدامه في عرض الحقائق.
- فدليل الحكمة يراد منه إيصال الحقائق على ما هي عليه في الواقع وفي المفهوم ونفس الأمر .. حيث يراعى فيه الإقناع ، لا المغالطة الفلسفية . 
- أما دليل المجادلة فيراد منه إسكات أي خصم بقواعده المقررة لديه على نحو الحق، وليس المماراة . 
- ودليل الموعظة الحسنة ، فهو يستخدم في علم الأخلاق لتمييل القلوب نحو حقائق الإسلام الأخلاقية .

(ثانياً) ساهم الشيخ أحمد بالكتب الأصول التي أسست ودعمت بزخم هذه المدرسة الناشئة في صراع المدارس الفلسفية الأخرى المتصارعة ، كمدرسة صدر المتألهين وقبلها مدرسة ( السهروردي ) والمدرسة الصوفية وعلى رأسها ابن عربي . من هذه الكتب المهمة (( شرح الفوائد )) و (( وشرح المشاعر والعرشية)) .

( ثالثاً ) أوضح بأنه ليس تابعاً لصدر المتألهين كما ادعى بعض من ترجم للأحسائي وذلك [4] لما قام به الأحسائي من رد عنيف فكرياً على الشيرازي في شرحه على كتابيه (( العرشية و المشاعر )) وتصريح الأحسائي في مجالسه بذلك مراراً وتكراراً ، بأنه يخالف صدر المتألهين وجميع الحكماء الآخرين في كثير من المسائل .

(رابعاً) اتضح من منهجه الذي صاغه في (( شرح الفوائد ))بأنه لا يرى مسألة ( التوفيق بين الفلسفة والشريعة ) كما توهم كثير من الذين ترجموه [5]. لقد حدد الأحسائي رأيه بأنه يؤمن بالعقل وعمله ضمن النص وليس عملية اللصق الذي أجراها ابن رشد [6] وغيره بإيجاد المتشابهات حتى يقنعوا الفقهاء بأنهم لا يخالفون الدين بفكرهم الفلسفي .

(خامساً ) : بين الأحسائي في ((شرح الفوائد )) و ((شرح الزيارة )) و((شرح العرشية والمشاعر )) نظريته في توحيده للخالق سبحانه وتعالى . فقد خرج الأحسائي على الساحة العلمية وكان أثمن ما يحمل في جعبته الحكمية ، توحيد الواجب الوجود . وهذا ليس نفياً لإبداعاته في الفلسفة والعلوم الأخرى ، بل على نحو المهم والأهم والغالي والأغلى .

إن مسألة التوحيد عند الأحسائي ليست موضوعاً فلسفياً يمر مرور الكرام كما يبحث في أكثر المدارس الفلسفية ، إن تلك المدارس لا تعطي أهمية التوحيد بحثاً وتحقيقاً ، بل نعني أن الشيخ أحمد الأحسائي ركز في كتبه على أن مسألة التوحيد بما تحمله تلك اللفظة من الدلالات الكثيرة والتي هي جامعٌ لمسائلٍ عديدة . مسألة محتاجة إلى تتميم وقد حان تتميمها في وقته ، كما أكملت المسألة الفقهية والحديثية والأصولية كل في وقتها على أحسن وجه وليس مطلقا.. بمعنى اكتفائها عن الإتمام اللاحق .

ومن ناحية ثانية أصر شيخنا على ضرورة الأخذ من القرآن والسنة في مسألة التوحيد.كمصدرين أساسيين في المسألة التوحيدية .. لأنه من ابتعد عنها ، قد يشطح بعيداً عن شاطئ التوحيد المقصود قرآنياً في قوله تعالى : (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ))[7] .

وهذا الأخذ ليس نفياً لاعتبارية العقل في مسألة الاعتقاد ، بل جعلهما ، أي القرآن والسنة موضوعاً لعمل العقل ، بمعنى استنباط الحقيقة التوحيدية القائمة على العقل من الكتاب والسنة ، أي حلبة العقل هو القرآن والسنة ، فيهما لا يشاهد ، والعالم الآفاقي معهما فيهما يشاهد من الكون المحسوس ، وفيهما يبصر بالبصيرة يدخل العالم الأنفسي كمسبار عرفاني للتوحيد لقوله تعالى : (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ ))[8] .

ومن ناحية ثالثة أقام الشيخ أحمد مدرسته الحكمية على أصول يقينية وموضوعية ، بمعنى أن الفلاسفة الآخرين وإن كانوا متيقنين من حقائقهم الفلسفية إلا أنهم لا يقصدون فيها على نحو العلم الرياضي ،

أي اليقين الرياضي والشيخ الأحسائي على العكس منهم فهو يعتقد بحقائق حكمته على هذا النحو من اليقين في حكمته [9] . فإذاً نستنتج أن الشيخ أحمد قدم فلسفته على أنها علم وليست تخرصات فلاسفة .. والسبب في ذلك قوله أنه أخذها من أهل البيت عليهم السلام لذلك أخذها من مصدر صافٍ ومعقلنة بعقل كلي لا يخطئ .

من هنا الأجدر أن تسمى مدرسته ، مدرسة حكميه لا فلسفية مصداقاً لقوله تعالى : (( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ))[10] وليس من الممكن أن يعطي الله عباده أوهام فلاسفة وتخرصات متفلسفة ، بل يعطيهم اليقين والطمأنينة والرؤية الصافية للوجود ، كما قال الإمام ( ذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بقدر الله لا نفاد لها وذهب من ذهب إلى غيرنا إلى عيون نتنه تفرغ بعضها في بعض )[11] على العكس من الفلاسفة الآخرين ، فلسفتهم كلها ظنون وإن يقدمونها على أنها يقين ، فهي تنمو عرضياً لا عامودياً .

ومن ناحية رابعة طبق شيخنا منهجه الحكمي كاملاً على كتابي صدر المتألهين ( العرشية والمشاعر ) وأبان فيهما مقدار صوابية رؤيته ورؤية الملا صدرا للوجود والإنسان .

فهو اختار أرقى مدرسة فلسفية في عصره شكلت منعطفاً مهماً في المجتمع الشيعي والإسلامي والعلمي. أعمل فيها مبضعه النقدي بشكل مميز على من سبقه في نقده للمدارس الفلسفية . ليبين عدة أمور من هذه النقودات والاختيار:

أولاً : هل فعلاً المدارس الفلسفية التي تدعي وصلاً بأهل البيت عليهم السلام هي فعلاً كذلك أم لا . 
ثانـيـاً : كم مقدار أخذهم من أهل البيت عليهم السلام ، هل العشر أم الربع أم النصف أم بالشكل الكامل . 
ثالـثـاً : بيان وهن الكثير من النظريات الفلسفية التي سيطرت على عقول أصحاب تلك المدارس . 
رابعاً : بيان جوهر فكر أهل البيت عليهم السلام ونظرتهم للوجود ولله وللإنسان بشكل منطق القرآن .لا منطق اليونان والمنطق الأرسطي . 
خامساً : المعطيات العظيمة للقرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام لو رجعوا معهما بشكل صحيح وقد بين ذلك في كتبه بشكل مفصل فراجع . 
سادساً : قدم منهجاً للتأول أصيلاً [12] يوصل للمدلول السليم المقصود من كلام المعصوم عليه السلام خلافاً للمناهج الأخرى الموصلة للنتيجة الموافقة لقوانين المنطق الأرسطي ومسلمات الفلسفة اليونانية .


الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إجماع محصل من الاستقراء الطويل للكتب والدراسات حول الشيخ الأوحد .
(2) راجع دراستنا حول مدرسة الشيخ أحمد الأحسائي الفلسفية المطبوعة مع حياة النفس في حضرة القدس ، ص 21 ، طبعة – بيروت .
(3) راجع دراستنا المذكورة آنفاً حول مدرسة الشيخ الفلسفية ، ص28 .
(4) مرجع سبق ذكره ، الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها ، ص15
(5) الشخص ، هاشم محمد ، أعلام هجر ، ط1 ، 1990 ، مؤسسة البلاغ ، بيروت ، ص179 ج1 .
(6) العوا ، عادل ، المذاهب الفلسفية ،ط، ، جامعة دمشق ، دمشق ، ص 
(7) سورة الإخلاص .
(9) سورة فصلت : 53 .
(10) راجع دراستنا ( حكمة إسلامية لا فلسفة يونانية ) .
(11) سورة البقرة : 269 .
(12) الشيخ محمد الكليني ، الكافي ، ج 1 ، ص 184 .


كتب أخرى:

علاج فكري 9

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 13

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 7

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية