تاريخ الفكر الحكمي لمدرسة الشيخ الأوحد 2

                                     تاريخ الفكر الحكمي لمدرسة الشيخ الأوحد 2

مرحلة النكسة : ( حقيقة المؤامرة ):
لقد بلغ الشيخ الأوحد رتبة اجتماعية ، هي قمة ما يطمح إليه رجل دين في عصره وحتى بعد عصره . المجتمع الشيعي بمجتمع فئاته ( سواء الناس ، العلماء ، الشاه نفسه ) يقدسونه تقديساً مطلقاً .
بل أصبح المرجع الفكري الأول في عالم التشيع ، في علوم محمد وآل محمد لكأنه ( المفيد ) في عصره ، أو شيخ الطائفة وعصر المقلدة له .
إذا حضر مكاناً ، الحوزات الشيعية ( الأكاديميات ) تعطل لتحضر درسه ، وكل شخصية في حضوره تكاد تكون معدومة . كل هذه المكانة السامية مهدت لمرحلة ( النكسة ) .

 يقول السيد كاظم الرشتي ( قدس ) في دليل المتحيرين : ( اعلم أنه لما تكررت زيارة الشيخ المرحوم للعتبات المشرفات ، ورجوعه إلى مسكنه الذي هو في " كرمان شاه " كانت نائرة الخلاف خامدة وعيون النفاق راقدة ، والألسن بفضل ذلك الجناب ناطقة ، وأنهار علومه في قلوب المستعدين متدافقة ، ولكنه لما أحب مجاورة قبر الشهيد المظلوم ، والسعيد المعصوم مولى العالمين ، الناظر في المشرقين والمغربين ، الواقف على التطنجين سيد الكونين وسند النشأتين ، مولانا أبي عبد الله الحسين ، مشتاقاً عارفاً متمكناً من التخلص عن ذلك المكان بعد معالجات كثيرة ، فلما قدم إلى المشهد المقدس والسدة السنية الحسينية ، على مشرفها آلاف الثناء والتحية ، متوطناً مستوطناً حازماً للمجاورة إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، فيصل ما يؤمله ) .

فلما استقر به الجلوس مدة مديدة ، تحرك أهل الشقاق ، والذين في قلوبهم مرض النفاق ، وعدم الوفاق مع آل الله أهل الاتفاق وأتوا إلى جناب السيد المهتدي ، السيد مهدي بن المرحوم المبرور المغفور ، المير سيد علي تغمده الله بغفرانه ، وأوصله إلى دار رضوانه وشبهوا له وأتوا ببعض العبارات المحذوفة الأول والآخر والوسط والعبارات التي لا أنس لهم بها ، ولا معرفة لهم بإصلاحها ، فذكروا له غير المراد ، وأظهروا الضغائن المستكنة في الفؤاد خوفاً على دنياهم الدنية ، شعراً :

تصيدت الـدنـيا رجـالــها بحبهـا
فأعمـاهم حب الغـنا وأصمهم

ولم يدركوا خيراً بل استفتحوا الشرا
ولم يـدركـوا إلا الخســــارة والـــوزرا

وزعموا أنه – أعلا الله مقامه – ربما له طمع في الرئاسة منه ، التي مدتها قليلة ، وفائدتها يسيرة ، وعاقبتها وخيمة ، وعقوبتها أليمة ، ولم يعلموا أنه لا طمع فيها ، ولا رغبة له إليها ، لعلمه بعاقبتها ، ومعرفته بحقيقتها ، فموهوا على جناب السيد ، ولبسوا عليه الأمر ولم يعلم ، لصدقه وغفلته مما هو مرادهم من إظهار ضغائن صدورهم وفساد ضمائرهم ، فأصغى إلى مقالتهم ، وسمع حكايتهم . وقال : إن الأمر قد اشتبه عليّ ، فأظهر الإعراض وأغضى عن ما عليه المذهب من عدم الاعتبار بالخطوط والقراطيس ، لا سيما إذا كانت محذوفة الأوائل والأواخر ، ولم ينظر إلى بصيرته الصافية من أن تلك العبارات والإشارات لهجة قد غابوا عنها . ولم يكونوا من أهلها . وأن اصطلاحات أهل كل فن يؤخذ منهم . ومعاني كل لغة تسأل عن أهلها . ولا تعرف إلا منهم ، ولم يتأمل إلى أن أظهر الإعراض والكلمات الغليظة الغير مناسبة مما يوجب الفتنة الشديدة . والمحنة الغير السديدة .
والناس أهل الشرور والمفاسد يطلبون الفتنة ، ويحبون وقوع المحنة ، ربما يصيبهم بعض المنال الدنيوي والعرض الزائل الذي قاله الخسران ، وعاقبة الحرمان .
فلما أظهر جناب السيد الإعراض وتفوه بكلمات لم تناسبه زادوا في كلماته كلمات وفي عباراته عبارات . وشهروها بين العوام ونشروها عند الطغام . فثارت نائرة الفتنة وهاجت إعصار المحنة . وشهروا عند الخلق من العوام من الرجال والنساء أن الشيخ أحمد قد كفر . فلما سئلوا عن السبب يسندونه إلى السيد . وهو غافل غير قائل . وإذا سئل السيد يجيبهم بأن الناس يقولون وأنا ما أقول . ولا تحقق عندي شيء ناقصاً لجيبه مبرئاً لعيبه . والناس بين هذا الترديد . بسعي أهل الضلال والتضليل بتوا في شبهة عظيمة وتشويش . ثم عقدوا مجلساً وأحضروا أهل الحل والعقد لو شئت لسميت بأسمائهم [1] . ولأومأت إلى أشخاصهم . ولكني من أمرهم قد تكرمت .
وبالجملة : عقدوا مجلساً ليكتبوا سجلاً في تكفير ذلك العالم الرباني وينقشوا صحيفة في بطلان عقائد ذلك النور السبحاني ) [2] .

الإفرازات الاجتماعية للنكسة يعددها السيد الرشتي في دليل المتحيرين [3] :

1) أقام شخص بكتابة كتاب يذكر فيه مذاهب الإلحاد والزندقة والصوفية والغلاة والمفوضة ، وأهل التثليث ، وسياسة التلبيس ونسبها جميعها إلى الشيخ الأوحد .
2) وقسم من المجتمع يقول : إن الشيخ الأوحد يرى ضلالية علمائنا من المفيد إلى زماننا .
3) ونسبوا إليه بطلان طريقة الاجتهاد .
4) وآخرون يقولون : إن الشيخ يقول : بأن أمير المؤمنين هو الخالق الرازق بالاستقلال .
5) وأخرى تقول : إن الشيخ أرجع الضمائر القرآنية ، وخطاب إياك نعبد وإياك نستعين إلى أمير المؤمنين عليه السلام .
6) إن الشيخ يقول : بعدم العروج الجسماني بل بروحه فقط .
7) إن الشيخ يقول : بعدم المعاد الجسماني .
8) إن الشيخ يقول : إن الحسين لم يقتل وإنه شبه لهم كما حدث لعيسى عليه السلام .

ويقدم السيد محمد حسن آل الطالقاني في أطروحته ( الشيخية ) سيناريو أكثر وضوحاً لحقيقة المؤامرة [4] نلخصها كالتالي : 
ضاق القوم ذرعاً من الأحسائي ، ففكروا في الخلاص منه طويلاً وهداهم فكرهم إلى ما اهتدى إليه زملائهم في كربلاء من قبل فأجمعوا على أن أنجع طريقة للخلاص منه هي إثارة زوبعة حوله ، ثم يقول : السيد الطالقاني (( وذلك عمل يحسنونه ويعرفون كيفية التمهيد له والوصول إليه )) وكل هذا التدبير المحكم كان خلف الكواليس والشيخ الأوحد لا يعلم ، مسترسل في سيرته ونشر علومه .
تداولت الآراء بين علماء العراق وإيران وكان أكثر علماء العراق من الإيرانيين ، وقد تمت الكلمة على الوقيعة بالشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ، ولكن من يروي الشرارة الأولى ، ومن يملك الجرأة ليسقط شخصية لها كل هذا الرصيد الشعبي والحكومي ، كالأحسائي ؟

وأين المكان المناسب ، هل هو العراق أم إيران ؟
وفي زيارة للشيخ الأحسائي إلى قزوين وكان مقيماً بها إذاك ( الشيخ محمد تقي البرغاني ) المشهور بالشهيد الثالث . وكان أشهر علمائها والزعامة منحصرة فيه ، والأحسائي في اعتقاد البرغاني لن يعدوا بيته وبنزول الأحسائي ضيفاً عليه سيزيد قدره واحترامه في المجتمع ، وعلى هذا لم يوجه البرغاني دعوة للشيخ الأحسائي ، وفي قبال ذلك كان الشيخ عبد الوهاب القزويني ، وهو من الفقهاء وأئمة الجماعة ومن تلاميذ الأحسائي أيضاً ، ومن عائلة كبيرة إلاّ أنه دون البرغاني سمعة وعلماً . والشيخ عبد الوهاب حينما سمع بقدوم الشيخ أستاذه إلى قزوين أرسل جماعة لاستقباله قرب همدان ودعاه للنزول في منزله فقبل بذلك . فاعتبر ( البرغاني ) ذلك تكريماً من الأحسائي لتلميذه وحط من قدره هو . تهافت العلماء وسائر طبقات المجتمع على بيت الشيخ عبد الوهاب لزيارة الأحسائي ، وكان الشيخ البرغاني في مقدمة الزائرين وقد عتب البرغاني على الشيخ لعدم نزوله في بيته ، فكان مما قاله : (( إنني أعلم العلماء هنا وكان من اللازم عليك أن تنزل داري بدون دعوة )) . فأجاب الشيخ أحمد : (( إن دعوة المؤمن محترمة شرعاً وإن لم يكن أعلم ، وأنا تابع للشرع لا للأعلمية )) فكان الجواب مؤلماً ومسكتاً ، يقول الطالقاني : فبدأ البرغاني الحقد والوقيعة به من هذه اللحظة . فصار يتحين الفرص على الشيخ الأحسائي ، والأحسائي بدوره كان مسترسلاً على طبيعته في كل مجالسه يتحدث عن نظرياته العلمية وآرائه الحكمية ، كالجسد العنصري ومقامات أهل البيت عليهم السلام و ( انشقاق القمر ) و ( المعراج ) ، فحانت البرغاني الفرصة للوقيعة بالشيخ أحمد بن زين الدين ، فأخذ نصوص الشيخ حول كل ذلك وأضاف عليها من عنده كفريات وصار ينشرها بين الناس على أن هذا هو رأي الشيخ أحمد وساعده على ذلك جماعة من الفضلاء أعداء الشيخ عبد الوهاب القزويني للإطاحة بالاثنين معاً .
ومن جهة أخرى كان على الشيخ الأحسائي أن يرد الزيارة على من زاره ، فذهب هو وجماعة من فضلاء وأعيان قزوين لزيارة الشيخ البرغاني ... ولكن البرغاني في هذه الجلسة أشعل الخلاف حينما سأل الأحسائي عن رأيه في المعاد ، هل هو موافق لرأي صدر الدين الشيرازي أم مخالف ؟ فقال الأحسائي : أنا أرى عكس رأي الملا صدرا في هذا الموضوع ورأي أن الذي يعود هو الجسد الأصلي ، لا العنصري . وقال البرغاني العنصري غير ( الهوروقليائي ) وهذا منافي لضروري من ضروريات الدين . فانبرى أحد تلاميذ الأحسائي لمجادلة البرغاني فأسكته . وانفض المجلس بالخلاف والكدر .

وخرج الأحسائي ذلك اليوم للصلاة ولم يحضر معه أحد ، كما كان متبعاً ، سوى تلميذه الوفي الشيخ عبد الوهاب القزويني .

ثم يقول : الطالقاني ونظراً لمنزلة الأحسائي الكبيرة عند الجميع وعظمته العلمية المعترف بها من الكل ، رأى الشاه زادة ركن الدولة علي نقي ميرزا حاكم قزوين أن ما قام به البرغاني اعتداء صريح لا يمكن السكوت عنه . كما خاف على سمعته ممّا ستحدثه الغوغاء من فوضى في أيام حكومته . من هنا حاول حفظ نفسه من التعرض لغضب السلطان فتح علي شاه الذي كان يحبّ الأحسائي ويبالغ في تعظيمه . فماذا سيكون موقفه منه إذا سمع بأنّ الأحسائي أُهين في قزوين وهو حاكمها ؟
وهذه أسباب كلها اضطرته للتدخل بين الرجلين لإنهاء الخلاف وإنها المشكلة . وكان مما جرى به أن دعا علماء قزوين إحدى الليالي لتناول العشاء في بيته ، ودعا الشيخ أحمد بن زين الدين كذلك ، كان الشيخ الأوحد جالساً في صدر المجلس حين دخل البرغاني ، ومن المفروض أن يجلس البرغاني إلى جانب الشيخ أحمد بن زين الدين في صدر المجلس كي يناسب جانب اللياقة لعلية القوم ، لكنه جلس بعيداً عنه وترك عازلاً بينهما . وحين الطعام كان من المفروض أن يجلس البرغاني على مائدة واحدة مع الشيخ أحمد . إلا أنه تركها وجلس مع الآخرين . وبعد الطعام تغير ترتيب مقاعد الجلوس فصار البرغاني قريباً من الشيخ أحمد بحيث يرى كل واحد الآخر . فقام البرغاني فوضع كفه على جانب وجهه ناحية الشيخ أحمد ، كي لا يراه .

بدأ الحاكم الحديث فتكلم طويلاً . وكان مما قاله : إن الأحسائي شيخ العلماء وكبير الروحانيين من العرب والفرس ، وإن احترامه واجب على الجميع ، وإن على البرغاني أن لا يدخر وسعاً في تكريمه وأن لا يتلفت إلى كلمات المفسدين الذين أوقعوا الجفوة بينهما . فرد البرغاني بقوله : ليس بين الكفر والإيمان صلح ولا إصلاح . فللأحسائي في مسألة المعاد رأي يخالف الضروري من أحكام الدين ، ومنكر الضروري كافر . فبذل الحاكم كل جهد ممكن في إخماد الفتنة ومعالجة الموقف إلاّ أنه فشل وأكد البرغاني تكفيره للأحسائي وخرج .

الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكرهم صاحب كتاب الشيخية ، مرجع سبق ذكره ، ص 95-100 ضمن سياق الكلام .
(2) الرشتي ، السيد كاظم ، دليل المتحيرين ، ط 1 ، ( د ، ت ، ن ) ، مكتبة الإمام الصادق عليه السلام ، الكويت ، ص 38 .
(3) مرجع سبق ذكره ، ص 40-42 .
(4) مرجع سابق ذكره ، الشيخية ، ص 95-100 .


كتب أخرى:

هل الشيخ الأوحد فيلسوف

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

عقيدتنا 2 العقيدة وأصول الدين

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 7

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية