الشيخ أحمد بن زين الأحسائي والسياسة

                                                الشيخ أحمد بن زين الأحسائي والسياسة
ـ لم يدخل الأحسائي ميدان السياسة بالمعنى المعاصر على الإطلاق كمنهج وأداة لنشر دعوته وغرس فكره، بل نأى بنفسه وبفكره عن السياسة والسياسين خلافاً لمعاصرين له من الفقهاء وأصحاب الدعوات والأفكار ذات الصبغة الدينية. رغم علاقة الأحسائي الوثيقة بالشاه وكون الشاه أحد مريدي الأحسائي.. حيث كان بإمكانه الحصول على مساحة أكبر لتابعيه وأفكاره.

       من ناحية أخرى ورغم أن الشاه كان من مريدي الأحسائي وفكره رفض الأحسائي استخدام فكره الحكمي كأيديولوجية للحزب الحاكم وفرضها بالقوة على الخصوم كما يحدث في أغلب البلدان الحاكمة آنذاك.

ـ السياسة هي فن إدارة الرجال ومصالحهم وتربية ميولهم ولكن في حال شخص كالأحسائي همه إصلاح المجتمع ونشر فكر ديني يعتمد على  الإقناع دون القسر فعليه سلوك مذهباً مخالفاً لهذا التعريف الآنف.

ـ كانت سياسة الأحسائي المتبعة والوحيدة هي عينها سياسة الإمام الصادق (ع) وعلاقته بحكام عصره حيث اعتمد التقية ونشر المذهب بالدعوة الفطرية المقنعة دون استخدام منطق السلطة لنشر الأفكار والدين.

ـ كانت مهمته الأولى نشر الدعوة للتوحيد الصحيح وإصلاح المجتمع وتعزيز مكانة أهل العصمة (ع) بأسلوب أهل العصمة أنفسهم دون الخوف من الغدر من أعدائه. وهذه هي مهمة رجل العلم المصلح.

ـ لقد عمد الأحسائي على نشر كتبه والإجابة على كل سؤال يأتيه وكذلك أمر تلامذته المتقدمين والمتميزين في حرق المراحل العلمية بسلك نفس المنهج مع إنشاء المدارس والحلقات العلمية والتدريس في كل مكان يحل فيه خصوصاً مراكز العلم كالنجف وكربلاء ويزد والأحساء والبحرين وغيرها. والخطوة الثانية التي اعتمدها هي الابتعاد عن الحكام لأنهم وإن نصروك اليوم سينقلبون عليك غداً لخوفهم المزاحمة السياسية، وهذا ما برر الأحسائي للشاه حين طلب من الأحسائي السكن عنده في عاصمته فرفض لهذا السبب.

ـ ومن سياسة الأحسائي الدعوية العامة في العمل إنه يرى الناس سواسية في النظرة إليهم فليس فيهم ما يستحق الدعوة والآخر لا بل كلٌ قابل أن يتحول إلى ما يريد تحويله له من العقيدة الصالحة، فهو يدعو العامي كما كان يدعو العالم..لذا نرى آمنت به كل الطبقات الاجتماعية والفكرية.

ـ ومن سياسته العامة احترام العلماء جداً خصوصاً الأركان والعُمد منهم وتبجيلهم والثناء عليهم والتبارك بهم وهذا عن صدق نية لديه وليس مجرد مكر ودهاء. وكذلك تعامل مع ملوك الشيعة ووجهاءها بنفس الطريقة من الاحترام والتبجيل.
 
ـ بما أن الأحسائي كان مَظْهراً لأئمته (ع) في النهج والفكر والسياسة مورست ضده كل أنواع السياسة الميكيافلية التي مورست من قبل ضد أئمته (ع) من: (الإقصاء)و(والتزوير عليه)و(الشعوبية)و(والتشويه لأفكاره وسمعته)و(والعنصرية)و(والتضييق عليه وعلى أتباعه)و(والقتل له ولأتباعه)و(والملاحقة الحثيثة)و(وشراء الذمم ضده)و(وممارسة العزل الثقافي الممنهج) وغيرها من الأساليب القذرة.

ـ إن الظروف والوقائع التي مرت بالأحسائي جعلت منه سياسياً بارعاً على طريقته ومذهبه السياسي الذي شرحناه سابقاً ولم تجعل منه مكيافيلياً حاقداً متبعاً منهج خصومه(الغاية تبرر الوسيلة)، بل زادته تجربته إيماناً لأفكاره وطريقته السياسية والدعوية. فلم يعمد مطلقاً شراء الذمم رغم كثرة المال الذي يعود لمرجعيته ولعل هذه السياسة ظلت متبعة حتى عند ممن أتوا بعده.

ـ خلافاً لفؤاد إبراهيم في كتابه الرائع (الفقيه والدولة) الأحسائي لم يستخدم الميكافيلية في إسقاط خصومه في السلطة الدينية إطلاقاً على العكس من ذلك خصومه استخدموها بجدارة وحقارة. ومن أحب أن يزداد وضوحاً فعليه مراجعة كتاب (الشيخية) للطالقاني يرى ذلك جلياً بلا مراء. وإذا عدنا لفكرة فؤاد إبراهيم السابقة نرى لها جهتين: 

       الأولى: أن الأحسائي استخدم الشاه كأداة لإسقاط خصومه في المجتمع الحوزوي وهذا لم يثبت مطلقاً، ولو حصلت هذه الحيثية لم يحدث للأحسائي كل تلك الأهوال التي مرت عليه. 

       الثانية: أن الشاه استخدم الأحسائي كأداة في فرض سيطرته على المجتمع الحوزوي، وهذا لم يثبت مطلقاً لأن الأحسائي كان واعياً تماماً لعصره. وثانياً حوار الأحسائي مع الشاه المنقول في كتاب (دليل المتحيرين) للرشتي ينفي ذلك من أصله حيث لم يقبل الأحسائي الركون للشاه وإتباع غاياته السياسية. وثالثا: إصرار الأحسائي على احترام خصومه والحوار معهم إلى أن توفي وواصل هذا الحوار بعده تلامذته وحوارات تلميذه السيد كاظم الرشتي مشهورة.

ـ كانت المؤامرات السياسية تحيط بالأحسائي من كل جانب، وكان يواجهها بالإيمان وبالحوار والابتعاد عن الرئاسة، لكن خصومه لم يكن ليصدقوه. ولكن هل لجأ الأحسائي لصنع مؤامرة ضد خصومه لم يثبت التأريخ ذلك.

ـ إن غالب الفلاسفة على مر التأريخ يفردون باباً أو كتاباً للسياسة في كتبهم، لكن الأحسائي لم يفعل ذلك رغم تمكنه من هذا الفن، ولكن الأحسائي لم يخيبنا مطلقاً حيث كتب عن الدولة المنتظرة للمهدي المنتظر (ع) في كتابه الرجعة وسماها بدولة الحق في قبال دولة الباطل ورسم نظرية كاملة عن هاتين الدولتين حيث صرح بقواعد البناء الحكمي أن الدنيا ما دامت في قوس النزول ستكون الدولة للباطل حتماً سوى المستثنى كدولة الأمير (ع) وحين تكون الدنيا في قوس الصعود ستبدأ دولة الحق بالظهور وهذا وعد إلهي. وهي المدينة الفاضلة حقاً.

الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي


كتب أخرى:

عقيدتنا 2 العقيدة وأصول الدين

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 11

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

عقيدتنا 3 فروع الدين

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 9

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية