التأويل والمؤول عند الأحسائي-ح2

                                                    التأويل والمؤول عند الأحسائي-ح2

نستنتج من تلك التعاريف العناصر التالية :
1- التأويل ينصب على الجمل والمعاني . 
2- التأويل هو صرف الظاهر إلى معنى آخر باطن أو خفي أعمق منه أو أصح . 
3- التفسير يختلف عن التأويل حيث التفسير يشرح الألفاظ والتأويل ينصب على الجمل والمعاني . 
4- إن صرف الظاهر إلى المعنى الماورائي أو الباطني يحتاج إلى دليل محكم .

والشيخ يعترف ضمنا من تعريفه بتلك الشروط والتعاريف حيث يقول في شرح المشاعر : (( وأما التأويل الذي أشار إليه المصنف فالمراد به ما سوى الظاهر كما هو معروف بين أكثر العلماء وأحاديث أهل البيت عليهم السلام كثيراً ما يعبر فيها عما سوى الظاهر بالتأويل [1] )) . 
ولكن الشيخ يختلف معهم في العنصر الرابع الذي ذكرناه ، وهو صرف الظاهر إلى معنى ماورائي سليم بدليل محكم . من الواضح لكل ذي بال أن التأول سيكون وفق الإطار العقائدي والعقلي للمؤول من هنا يؤكد الشيخ أحمد في كلامه على أن مرجعية المؤول يجب أن تكون من أهل البيت عليهم السلام وأي خروج عن تلك المرجعية ومحاكمة أي نص بعيداً عن تلك المرجعية سيؤدي إلى الضلال والغوص بعيداً عن المراد يقول (قده) : (( والغاية إنما يصح القول به من أتباع أئمة الهدى عليهم السلام بأن يكون يسلك طريقهم ويقتدي بهم ويجعل قولهم دليل عقله في كل شيء وأما من يأول كلامهم على ما يطابق رأيه فإنه لا يهتدي إلى الصراط المستقيم [2] )). 
و يقول أيضاً (قده) : (( أقول : اعلم أن التأويل في القرآن لا يجوز إلا ما أخذ عن أهله المخاطبين به محمد وآله الطاهرين صلى الله عليه وعليهم أجمعين ، لأن القرآن على خلاف ما تعرفه الناس فإن له ظاهراً وظاهر ظاهر وهكذا باطناً وباطن باطن كذلك ، وليس لأحد أن يقول في القرآن إلا بدليل عنهم عليهم السلام [3] )). 
فنجد من تأول خلافا لمرجعية أهل البيت عليهم السلام وتحت نظر المنطق الأرسطي ، من تأولوا قدم الإرادة حيث الرواية الواردة في توحيد الصدوق (قده) صريحة في حدوث الإرادة والإشاءة الآلهية وإليك نصها عن الإمام الرضا عليه السلام قال : (( المشيئة والأرادة من صفات الأفعال فمن زعم أن الله تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد [4])) وذلك لأن عقلهم النظري المشبع بالتسلسل الأرسطي لم يعقل إلا حدوث التسلسل على الشكل التالي :
أ ) إذا كانت الأشياء خلقت بالمشيئة . 
ب) والمشيئة مخلوقة كما هو صريح الرواية . 
ت) هذه المشيئة المخلوقة إما من ضمن المخلوقات فتحتاج إلى مشيئة أخرى تخلقها وهكذا ينتقل الاستفهام نحو المشيئة الخالقة الجديدة ، إما خالقة وفي نفس الوقت هي مخلوقة فتحتاج إلى مشيئة جديدة وهكذا حتى ما لانهاية له فيتم التسلسل العقلي الممتنع في المنطق . 
ث) وحتى يتخلصوا من هذا النفق المظلم الذي أدخلهم فيه التسلسل . قالوا : إن الإرادة صفة ذاتية والذات المقدسة خالقة غير مخلوقة . والمدقق في الرواية وفق مرجعية أهل البيت عليهم السلام لايجد تسلسلا في قضية الإرادة والإشاءة . حيث بالأساس النصوص المطلقة في العقيدة الإسلامية تقول مجمعة على أن الذات الواجب منزه من التباشر والتجانس للإمكان . فكيف استطاع هؤلاء المتفلسفة على عكس القضية من الأساس بسطوة المنطق الأرسطي. إن من الغريب أن تكون " أورقانونة " أرسطو هي الميزان الجديد لعقيدة المسلمين . 
وتأول النصوص القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله لم يأخذ جنبة سياسية فقط، بل صار التأول منهجاً فلسفياً كاملاً أقيمت عليه مدارس فلسفية وفرقاً طائفية ، أخذت شوطاً عظيماً في التأريخ والمجتمع الإسلاميين . بل نحت به بعض الفريقات نزوعاً تدميرياً في المجتمع الإسلامي ، كما فعل معاوية برفع المصاحف ، وقضية خلق القرآن وغيرها من المشكلات العقائدية ذات التأثير الاجتماعي الهدام. 
وإذا أردنا أن نجعل الرواية بمنطوقها منطقية وفق اصطلاحهم من خلال النصوص والتصورات العقلية فإن ذلك ممكنا على الشكل التالي ، وحتى لانطيل عليك سننقل نص الشيخ نفسه يقول (قده) موبخاً الفلاسفة ومستدلاً على حدوث المشيئة : (( فيا سبحان الله ما الموجب لميلكم إلى قدم المشيئة مع أنكم لم تمضوا إلى الأزل فتشاهدوا إنها قديمة وإنها عين ذاته ولم يخبركم بذلك وأنتم تقرون بأنه لا يعرف إلا بما عرف به نفسه ولم يعرف نفسه إلا على ألسن أوليائه وأولياؤه كلهم اتفقوا على كون مشيئة الله حادثة وإنها ليست عين ذاته فما أدري ما الذي حداكم على هذا إن كان لكم حاصل وفائدة تحصلونها من القول بقدمها بخلاف ما قال نبيه وأهل بيته عليهم السلام فربما يحصل لكم عذرٌ لئلا تفوت عليكم الفائدة وإلاّ فأئمتكم عليهم السلام علماء لا يجهلون وحكماء لا يهملون وذاكرون لا ينسون وناصحون لا يغشُّون يشهدون أن الحق معهم وبهم وأن كل من خالفهم فهو على باطل من أمره فما بالكم تتركون كلامهم الحق وتأخذون بكلام أعدائهم ولا تسلمون لهم ولا تردون إليهم وأنتم تعلمون فمن أراد الاحتجاج على ذلك من جهة العقل فلينظر إلى احتجاج الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي كما في الاحتجاج للطبرسي (قده) والتوحيد وعيون أخبار الرضا للصدوق(قده) فإن العاقل لا يجد للعقل فيما قرر عليه السلام عن حدوث المشيئة والإرادة مجالاً وذلك لأني أنا إذا قلت بحدوثها حجتي الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام والدليل العقلي على معنىً للإرادة معقولٍ لي لأن المعنى المحدث يمكن للعقل إدراكه وأنتم إذا قلتم بقدمها كانت الأخبار عنهم عليهم السلام كلها مخالفة لكم ليس لقولكم فيها مستند ولا لعقولكم مدرك فيها تدعون لأنكم تثبتون قديماً والقديم لا يتعقل فإذا تعقلتم فإنما فهمتم حادثاً وأدركتم مصنوعاً وليس لكم مأوى ولا موئل إلا أنه تعالى يخبركم بذلك والواسطة بينكم وبينه أخبركم بخلاف ما قلتم فأين تذهبون وأما أدلة المجادلة بالتي هي أحسن فهي في هذه المسألة لنا لا لكم فإنكم قلتم أن المشيئة صفة والصفة لاتقوم بنفسها ولا بغير موصوفها فإذا قامت بموصوفها وكانت حادثةً كان محلاً للحوادث ونحن نقول هي صفة والصفة تقوم بغير موصوفها كالكلام يقوم بالهواء ولا يقوم بالمتكلم وتقوم بنفسها كما قررتم إن الذوات الحادثة صفات للذات القديمة وهي قائمة بنفسها لأنه أقامها بنفسها وكذلك المعلولات في الحقيقة صفات العلل وهي قائمة بنفسها وأيضاً إذا سلمنا أنها تكون قائمةٌ به تكون قائمة قيام صدورٍ لا قيام عروض كالأشعة مع المنير ولو سلمنا استدلالكم كان أيضاً حجةً ناقصة لقولكم لأن قولكم لو كانت حادثة كان محلاً للحوادث فتقول وإن قديمة يكون محلاً للقديم المغاير له فإن قلتم هي ليست مغايرة قلنا هي مقترنة بالمراد وذاته غير مقترنة وهي خاصة أي علمٌ خاص وذاته غير خاصة وهي تقترن بالنفي كما قال تعالى (( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم )) [5] وذاته لا تقترن بالنفي وهي على طبق المراد والمراد على طبقها وذاتها لاتطابق شيئاً ولا يطابقها شيء وهي لها ضد فهو مريد وكاره وذاته لا ضد لها وهي لها وجه خاص بالمراد فإن إرادة إيجاده لزيد ٍغير إرادته لعمروٍ وذاته ليست كذلك وأمثال هذه مما نعقلها من صفات الخلق التي قد اتصفت به وأنتم لها تعقلون صفات الحق تعالى لتصفوها بها وتجدوها فيها والوجه الثاني إنكم قلتم لو كانت حادثة لكانت محدثة بإرادة غيرها وتنقل الكلام إلى هذه وهكذا ويلزم الدور أو التسلسل ونحن نقول الإمام عليه السلام قد أجاب عن هذا الخطاب بما فيه كفاية لأولي الألباب فقال إن الله سبحانه خلق المشيئة ثم خلق الخلق بالمشيئة فأبطل عليه السلام الدور والتسلسل وقد تتبعنا جميع الأفعال فوجدناها كلها محدثة بنفسها مثل حركة يد الكاتب أحدثها بنفسها ثم أحدث الكتابة بها وبيانه إن حركة يد الكاتب محدثة والمحدث يحتاج إلى حركة يحدث بها حركة يده مثلا فإن قلت إن حركة يده محدثة بحركة غيرها نقلنا الكلام إليها حتى يعود أنها أحدثها بنفسها لأنها حركة والإيجاد حركة ولا يحتاج الموجد إلى غيرها فيحدثها بها ويرتفع الدور والتسلسل [6] )) 
وبصورة أخرى لهذه القضية الطويلة نقول : إن المفعول تارة يكون مفعول بالذات بمدد الله بلا كيف وهذا ما نسميه بالإبداع ، وتارة يكون مفعولاً بالواسطة ، أي بواسطة فعل الله ، الذى هو مشيئة كما عن الصادق عليه السلام :(( خلق الله المشيئة بنفسها ، ثم خلق الأشياء بالمشيئة )) [7] ويمكن توضيح ذلك من خلال الرسم البياني التالي . (شكل –1 )

الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مرجع سبق ذكره ، شرح المشاعر ، ص 25 .
[2] مرجع سبق ذكره ، شرح المشاعر ، ص 464 .
[3] مرجع سبق ذكره ، رسائل الشيخ أحمد بن زين الدين ، ص 207 ج1 .
[4] توحيد الصدوق ، ص 338 .
[5] سورة المائدة / 41 .
[6] مصدر سبق ذكره ، ص390 .
[7] الشيخ الصدوق ، التوحيد ،ص148 .


كتب أخرى:

علاج فكري 13

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية