نقد بسيط الحقيقة كل الأشياء عند الشيخ الأوحد

                                         نقد بسيط الحقيقة كل الأشياء عند الشيخ الأوحد
يقول الشيخ (رض) : (( ومعنى البساطة اللآئقة بمقام الحق عز وجل أنه أحديّ المعنى لايصح عليه شيء من أنواع الكثرة والتعدد والاختلاف بجميع أنواعها من النسب والاضافات والكلية والعموم والاطلاق والكل والاختلاف في الذات والأحوال ، لا في نفس الأمر والواقع و لا في الخارج ولا في الذهن . لا في الاحتمال والتجويز ولا في الفرض والاعتبار مطلقاً مما يجري في الوجود أو الوجدان)) [١] 

في هذا المطلب دعوتان : 
١- إن بسيط الحقيقة هو كل الأشياء . مثلاً (العقل عندهم) . 
٢- إطلاق (بسيط الحقيقة كل الأشياء)على الله . 
الشيخ وتلاميذ مدرسته (قد) يرفضون هاتين الدعوتين .

أما الدعوة الأولى فنأخذ العقل مثالاً لها عندهم فبطلان بساطته للأدلة التالية كما جاء في شرح المشاعر :
1.إن العقل ليس بسيطاً إلا بإضافته إلى ما تحته من عالم الملك أي أنه معنوي فإذا أضفناه إلى عالم الملك الحسي المادي فهو بالنسبة إليه يعتبر بسيط وإلا فهو بما هو هو مركب .
2.إن هذه البساطة في العقل حسب ما يدعون ، يقول الشيخ : إنها صادرة من الوهم لا من العقل حيث أنهم فهموا هذه البساطة من كلام الحكماء الأوائل (الحكماء الأوائل كانوا يتلقون الحكمة من الأنبياء عليهم السلام ، وقد يستنبط الحكيم البالغ بعد الحكم فيقع في الخطأ في استنباطاتهم ، وكتبوا كتبهم بالسريانية ولما عربت وقع بعض الغلط في التعريب وفي فهم كلام المشايخ فإذا قالوا : هذا العقل مجرد يريدون أنه مجرّد عن المادة العنصرية والمدة الزمانية والصورة الاسيّه النفسانية والمثالية وأتى من بعدهم وقال : إن العقل مجرد بسيط الحقيقة كما يطلق على الخالق تعالى [٢] ) .
3.إن كل مخلوق زوج تركيبي حتى العقل (لأن المخلوق مؤلف لابد له من اعتبارين ، اعتبار من ربه وهو الوجود وهو مادته ، واعتبار من نفسه وهو ماهيته وهو الصورة ، ذلك لأن كل ممكن زوج تركيبي فليس شيء بسيط الحقيقة إلا الله [٣] ) .
4.إن البسيط لا يكون معه شيء لأنه مفرد بسيط غير مركب ، وإن من كان كل شيء لا يكون بسيطاً ، لأنه معه أشياء أخر .
5.كيف يكون العقل بسيطاً والقرآن يصرح بعكس ذلك قال تعالى : (مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح … ) [٤] الآية ، فالرواية تقول تصريحاً تلويحاً إن الله شبه نوره بالمصباح في هذه الآية ، والمعروف أن المصباح مركب من دهن ونار .
6.العقل ليس بسيطاً وفوقه أشياء غير المعبود بالحق مثلاً (الفؤاد) فهو وفوق العقل .
7.( وليس بسيط الحقيقة كل الأشياء ، لأن البساطة تنافي نسبة كل وتنافي وجود المغايرة ، لأن وجود الغير إن كان غيراً فلا بساطة وإلا فلا غير ، وهذا حكم يصدق في نفس الأمر وفي الاعتبار والفرض ، لما بينا أن الفرض والاعتبار خلق الله وعباده من الموجودات الخارجية الدهرية أو الزمانية [٥] ) .

أما الدعوة الثانية (إطلاق بسيط الحقيقة كل الأشياء على واجب الوجود) فهي باطلة للأدلة التالية [٦] :
يقول الشيخ هذه العبارة أعلاه باطلة حتى على فرض تأويلها ، وإن صحّ تأويلها بطل لفظها ظاهراً وباطناً . 
فإن كان قصدهم أن بسيط الحقيقة لابد وأن يكون كاملاً من جميع الجهات ، فهو بما أنه بسيط وهو كامل ، قالوا : بسيط الحقيقة كل الأشياء . حتى يكون مجمعاً لكل الكمالات في رتية ذاته ، فلا يوجد كمال مفقود فيها. 
فنقول ما هذه الكمالات المطلوبة إن كانت هي ذاته بلا مغايرة لاعلى مستوى الفرض والواقع والمفهوم كان هذا حقاً لا إشكال فيه وكماله واحد وهو ذاته تعالى . 
وإن كانت الكمالات المطلوبة في رتبة الذات هي الأشياء من الدرة إلى الذرة كانت ذاته المقدسة محلاً للحوادث وهذا باطل بإجماع الشيعة وبالعقل والقرآن والسنة . 
يبقى عندنا فرض ثالث وهو معنى : بسيط الحقيقة كل الأشياء ، أي كل الأشياء متقومه بفعله سبحانه تقوّم صدور . فنقول فعله جل وعلا غير ذاته سبحانه وهذا منافي لقصدهم لأنهم لايريدون أن يقولوا : بسيط الحقيقة الحادث هو كل الحوادث . 
وإن كانوا يريدون بأن ذلك الحادث هو الله ولكن بلا ضمير الفصل (هو) كما يقول بعض المتصوفة (أنا الله بلا أنا) وغيرها من العبارات ، وهي صريح وحدة الوجود المخالفة لمذهب أهل البيت -عليهم السلام-. 
وهناك احتمال آخر ، ربما يكون قصدهم شيئية الأشياء إذ لا شيئية للأشياء غير شيئية ذاته تعالى ، وهذا باطل.. لأنه إما أن تكون شيئية الأشياء هي ذاته فيكون هو حادث أو هو محل للحوادث على أحسن فرض ، أو العكس تكون شيئية ذاته. 
وهناك محذور أخر وهي أن هذه الشيئية إن كانت للأشياء لم تكن وإن كانت لذاته لم تكن للأشياء . 
وإن قالوا : إن ليس للأشياء شيئية .كانت عبارتهم (بسيط الحقيقية كل الأشياء ) لغواً صريحاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[١] الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ، شرح العرشية ، ط١ ، ١٣٦١هـ ، مطبعة السعادة ، كرمان ، ص٥٤ ، ج١. 
[٢] الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ، شرح المشاعر ، ط٢ ، (د،ت،ن) ، مطبعة السعادة ، كرمان ، ص٤٧. 
[٣] مرجع السبق ، شرح المشاعر ص : ٤٧ . 
[٤] سورة النور ، اية ٣٥ . 
[٥] نفس المصدر السابق . 
[٦] الأحسائي ، أحمد بن زين الدين ، مجموعة الرسائل ، ط٢ ، (د،ت،ن) ، مطبعة السعادة ، كرمان ، ص ١٣١-١٣٢.

الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي


كتب أخرى:

علاج فكري 8

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

علاج فكري 11

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

هل الشيخ الأوحد فيلسوف

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية