التأويل والمؤول عند الأحسائي-ح4

                                                التأويل والمؤول عند الأحسائي-ح4

شروط الـمُؤَوِل كما يراها شيخنا   أن يعرف القرآن , أن يعرف أصول التوحيد وصفات الله وما يصح عليه وما يمتنع عليه .,وأن يعرف ما يصح به الاعتقاد في أفعاله. , أن يعرف أوامره ونواهيه والمرادات له من عباده . ,ونوع الحكمة والصنع والتكاليف . , ونوع حكمة الإيجاد والقدر والبداء والمنزلة بين المنزلتين وما أشبه ذلك., أن يعرف النبوة لمحمد صلى الله عليه وآله والإمامة لأهل بيته عليهم السلام ووصاية الأوصياء عليهم السلام ., أن يعرف أحوال التكاليف والموت والبرزخ وأحوال الآخرة .
 
كل ذلك ولو بالاطلاع على نوع المسألة ، يقول الشيخ بعد ذلك : (فإذا وصل الشخص إلى هذه الرتبة بالعلم العياني القطعي الضروري جازله ذلك أيضاً، لأنه إذا لم يعلم نوع علم هذه المسألة التي أول الكتاب عليها بالعلم القطعي العياني البرهاني جاز أن يقول هذا ما لا يريده الله سبحانه ، وإن عَلِم عِلْم نوع هذه المسألة بالعلم البرهاني القطعي لأنه يجوز أن تكون هذه المسألة خارجة بمخصص من مانع أو مقتضٍ أقوى وأنه لم يره بخلاف العلم العياني فإن صاحبه يشاهد كل فرد من أفراد هذا النوع في محله على ما هو عليه أو أنه لم يره فإذا رآه رآه [2] ) .

أمثلة تطبيقية لمنهج الشيخ في التأويل :
لنترك الشيخ يورد لنا أمثلة تطبيقية ، يقول (قد) : ( كما هو مثال ذلك فيما نحن فيه في كون المراد من (فضة) في الآية الشريفة هل المعدن أو فضة أمة فاطمة عليها السلام ) .
فعلى الوجه الأول وهو أن المؤول إذا كان عنده دليل عنهم عليهم السلام أومن الكتاب أو اللغة سلمنا وجوده هنا ، فإن قلت : أن المراد أمة فاطمة عليها السلام ، فإن كان عندك دليل خاص في ذلك جاز في أصل المسألة ولكن قلنا بشرط عدم الحصر ، فإن قلت : عندي إن المراد به أمة فاطمة عليها السلام وحصرت مراد الله فيها فهو خطأ ، فإن الله سبحانه أراد المعدن الخاص ولو على فرض دليل خاص على ما أولنا هذا لأن ظاهر القرآن حجة لمن لا يحصر الفهم فيه فقد روى العياشي بإسناده عن جابر قال : ( سألت أبا جعفر عليه السلام عن شيء في تفسير القرآن فأجابني ، ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت : جعلت فداك، أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم فقال لي: يا جابر ، إن للقرآن بطناً وللبطن ظهراً،يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن،إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل ينصرف على وجوه[3] ).

وغير ذلك مما هو صريح في عدم جواز حصر القرآن في شيء واحد ، حتى أن المفهوم من أخبارهم عليهم السلام أن الإمام عليه السلام قد يحصر الآية في معنى واحد وليس بمحصور فيه ولكن من حصر له الإمام وجب عليه القول بالحصر لأنه إنما حصر له لأن المقام اقتضى من السائل أو من السامع أو ممن علم الإمام عليه السلام وصول ذلك إليه ، بمعنى أن من حصر الإمام عليه السلام لأجله في شيء مخصوص يزعم بأنه غير مراد فبين عليه السلام أن المراد هذا ما روي في تفسير قوله تعالى : [ ثم لتسئلن يؤمئذٍ عن النعيم ] [4] روي فيها أنهم يسألون عن خمس ، شبع البطون وبارد الشراب ولذة النوم وظلال المساكن واعتدال الخلق ، وفي المجمع عنهما عليهما السلام (( هو الأمن والصحة [5] )) وفي العيون عن أمير المؤمنين عليه السلام ( الرطب والماء البارد [6] )) وفي أمالي الطبرسي عنه صلى الله عليه وآله كذلك ،وفي الفقيه عنه عليه السلام ( كل نعيم مسؤول عنه صاحبه إلا ما كان في غزو أو حج [7] ) وفي الكافي عن الصادق عليه السلام ( من ذكر اسم الله على الطعام لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام [8] ) وروى في العيون عن الرضا عليه السلام قال: ( ليس في الدنيا نعيم حقيقي ، فقال له بعض الفقهاء ممن حضر فيقول الله : ) ثم لتسئلن يومئذٍ عن النعيم ( ما هذا النعيم في الدنيا الماء البارد ، فقال له الرضا عليه السلام وعلا صوته : كذا فسرتموه أنتم وجعلتموه على ضروب ، فقالت طائفة الماء البارد ، وقال غير هو الطعام الطيب ، وقال آخرون هو طيب النوم ، ولقد حدثني أبي عن أبي عبد الله عليه السلام أن أقوالكم هذه ذكرت عنده في قول الله عز وجل ) ثم لتسئلن يومئذٍ عن النعيم ( فغضب عليه السلام وقال: إن الله عز وجل لا يسأل عباده عما تفضل عليهم به ولا يمن بذلك عليهم،والامتنان بالإنعام مستصبح من المخلوقين فكيف يضاف إلى الخالق عز وجل ما لا يرضى المخلوق به ، ولكن النعيم حبنا أهل البيت وموالاتنا ، يسأل الله عباده عنه بعد التوحيد والنبوة لأن العبد إذا وفى بذلك أداه إلى نعيم الجنة الذي لا يزول) .

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية ( إن الله عز وجل أكرم وأجل أن يطعمكم طعاماً فيسوغكموه ثم يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد صلى الله عليه وآله [9] ) . أنظر كيف حصر الصادق عليه السلام النعيم في الآية فيهم وفي موالاتهم مع ورود غير ذلك عنهم عليهم السلام ، كما سمعت بعضه وذلك لما قلنا فإن هؤلاء ينكرون تناول النعيم لهم وفي الواقع هم المرادون بالآية في الحقيقة وغيرهم مما سمعت مراد بها بالتبعية والفرعية ، فحصر لأجل تأصلهم في النعيم وفرعية ما سواهم في مقابلة دعوى الأعداء عدم كونهم عليهم السلام مرادين من الآية وكون ما سواهم ما سمعت متأصلاً في الآية ، لأن ما يدعونه من السؤال عن النعيم ليس بصحيح كما قال عليه السلام ، وأما الصحيح المسؤول عنه هو شكر هذه النعم من أين اكتسبت ولم فعلت وفي أي شيء صرفت ، لا أنه تعالى يسألهم عن نفس هذه الأشياء وكونها طيبة كما توهمها الأعداء ، فإذا حصر الإمام عليه السلام الآية في معنى واحد فهو من هذا النوع .

فشرط من يؤول إذا وجد له دليلاً على خصوص معنى ما يؤول عليه ألَّا يحصر الآية في ذلك المعنى لأنه ما من آية إلا ولها ظاهر وباطن وقد روى الحسن بن سليمان الحلي رضوان الله عليه في كتابه المختصر لبصائر سعد الأشعري عن الصادق عليه السلام أنه قال : ( أقواماً آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن فلم ينفعهم شيء ، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر فلم ينفعهم ذلك شيئاً ،ولا إيمان بظاهر إلا بباطن ولا بباطن إلا بظاهر [10] ) فكيف يجوز الحصر .
                   
وعلى الوجه الثاني وهو أن المؤول يكون عالماً بعلم نوع المسألة علم عيان لا علم برهان ، فإنا نقول مثلاً أن هذا العالم إذا عرف بأن جميع العوالم كشيء واحد يشبه بعضها بعضاً وأن كل ما في هذا العالم فإنه نازل من العالم العلوي من قليل أو كثير ودقيق وجليل وذات وصفة وحـال وطبع وإن كل ما هناك فهنا دليله ، كمـا قال تعـالى : [سنريهم آيتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [11] ] وكذا قوله عليه السلام : (الدنيا مزرعة الآخرة [12] ) .

وقول الرضا عليه السلام : ( قد علم أولوا الألباب أن ما هنالك لا يعلم إلا بما هنا [13] ) وغير ذلك مع أنه تعالى أخبر في كتابه بقوله : ( وإن من شيءً إلا عندنا خزائنه وما ننـزله إلا بقدرٍ معلوم [14] ) وإنه دل دليل الحكمة المستند إلى القرآن الصريح والنقل الصحيح على أن كون (فضة) أمة فاطمة عليها السلام وإنها تخدمهم وتسقيهم وأمثال ذلك ، شيء في خزائن الله نزل منها ظاهره وصورته إلى هذه الدنيا فإذا عادوا إلى الآخرة ومروا على تلك الخزائن التي نزل منها هذا الشيء بصورته في حال صعودهم وعودهم ورجوعهم إلى معبودهم وجدوه بحقيقته وجرى لهم بكنه طريقته حتى يجد قوله تعالى الخاص ينطبق له باللسان العام (كلما رزقوا فيها من ثمرةٍ رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وآتوا به متشابهاً [15] ) وكذلك قوله : (( كما بدأكم تعودون([16] ) فإن معناه كما تعودون بدأكم وقول الصادق عليه السلام : (ما كل ما يعلم يقال ولا كل ما يقال حان وقته ولا كل ما حان وقته حضر أهله [17] ) فإذا وجد ذلك العالم بنوع علم المسألة بالعلم العياني لا البرهاني علم هذا ومثله كتمه وإذا وجد أهله أدى الأمانة التي أمره الله تعالى بأدائها إلى أهلها فافهم [18] ) .


الكاتب: الشيخ سعيد محمد القريشي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ، رسائل الشيخ ،ص209 ج1.
(2) تفسير العياشي ،ج1 ص12.
(3) مجمع البيان ، ج3ص221 .
(4) التكاثر / 8 .
(5) عيون أخبار الرضا ج2/38 .
(6) الفقيه ج2/ 221 .
(7) البحار ج66ص367.
(8) عيون أخبار الرضا ، ج2ص129.
(9) الكافي ج6ص280 .
(10) البحار ،ج11ص302 .
(11) فصلت /53 .
(12) ورام ج1 ص 183 .
(13) الشيخ الصدوق ، التوحيد ، ص438 .
(14) الحجر/21 .
(15) البقرة /25 .
 


كتب أخرى:

علاج فكري 14

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية

تراب الروحانيين

تأليف:
الشيخ سعيد القريشي
النوع:
مقال
اللغة:
العربية